أشار مقال الأسبوع الماضي إلى وجود عدة مبادرات عربية للحوار مع دول الجوار الإقليمي وخصّ بالذكر مبادرة السيد عمرو موسى حول رابطة دول الجوار ومبادرة السيد جاسم الصقر حول الحوار مع إيران. وكما هو واضح فإنه بينما ركزت مبادرة الحوار على إيران فقط فإن مبادرة الرابطة ضمت أطرافا إفريقية وآسيوية و أوروبية. ومثل هذا التباين في الطرح ما بين صيغة الحوار وصيغة الرابطة يثير أول سؤال عن ماهية الإطار المقترح لجمع العرب وجيرانهم للتباحث في القضايا الخلافية، وتصوري الخاص أن الخطوة الأولى لابد أن تبدأ بالحوار حتى إذا ما نضج وتبلور يمكن تطويره إلى وضع أكثر مؤسسية عبر صيغة الرابطة مثلا أو منظمة للأمن والتعاون، فالدعوة للحوار الإقليمي فى الظروف المعقدة الراهنة تحتاج لبذل جهد كبير بهدف نشر الاقتناع بها.
ومن الممكن كخطوة أولى أن يبدأ الحوار الإقليمي على مستوى غير رسمي (عبر أكاديميين وباحثين متخصصين مثلا) ما يساعد على امتصاص الشحنة الانفعالية الأولى ويسهم في بلورة اقتراحات توضع على طاولة المسئولين. هنا نلاحظ أنه توجد بالفعل علاقات غير رسمية بين الباحثين العرب والأتراك وبدرجة أقل بين العرب والإيرانيين لكن لا تحكمها رؤية استراتيجية. نأتي بعد ذلك إلى نقطة مع أي دول الجوار نبدأ الحوار، وكانت رابطة دول الجوار قد اقترحت البدء بدول مثل تشاد على أساس أن تقبُّل الحوار معها أيسر، وهذا يثير السؤال: هل نبدأ بالحوار مع الأيسر وصولا للأصعب أم نشتبك مباشرة مع الأطراف وثيقة الصِّلة بأهم التحديات التي تواجهها المنطقة؟ إجابتي أنه بما أن الصراع في العديد من الساحات العربية قد أوشك أن يُحسَم فإن هذا يعطى أولوية للأطراف ذات التأثير المباشر في قضايا الصراع، ولما كانت الدعوة للحوار الإقليمي قد جاءت من جواد ظريف فلتكن البداية مع إيران، وأظن أن إيران بعد الاحتجاجات الشعبية التي عصفت بها ستحتاج لعقلنة سياستها الخارجية حتى وإن كابرت في الظاهر . من جهة أخرى سيمثل الحوار مع إيران ورقة للضغط على تركيا من أجل الدخول في الحوار ، وسيسقِط دعاوى اصطفاف السنة في مواجهة الشيعة، وسيُبطِل محاولة إحلال إيران محل إسرائيل. وفيما بعد يمكن أن يتوسع الحوار ويتخذ مسارات إفريقية وأوروبية مختلفة.
نأتي بعد ذلك لمداخل الحوار وثمة مدخلان رئيسيان في هذا الخصوص، المدخل الأول هو التعاون الاقتصادي بين المتحاورين بهدف إيجاد شبكة من المصالح المتبادلة تُسّهل التفاهم السياسي، والمدخل الثاني هو التنسيق السياسي والأمني باعتبار أن غياب هذا التنسيق يقوض فرص التعاون الاقتصادي. والحقيقة أن طرح المدخلين كبديلين منفصلين غير دقيق فالعلاقات التجارية القوية بين دولة الإمارات و إيران لم تؤد إلى تقاربهما سياسيا ولا أنهت احتلال إيران الجزر الثلاث، لكن في المقابل فإن التطور الكبير في العلاقات التجارية بين السعودية وإيران في التسعينيات ما لبث أن انتكس بفعل خلافاتهما السياسية. ولذلك فالمطلوب هو توازى المسارين ولا ننسى أن حزمة التفاهمات السياسية والأمنية بين العرب ودول الجوار لابد أن تكون مصحوبة بمزايا اقتصادية، فإيران لم تجمد برنامجها النووي إلا مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. هل يمكن ترتيب المنطقة من دون إسرائيل ؟ سؤال واجهته من عدة أصدقاء تحمسوا للحوار الإقليمي لكن تساءلوا عن موضع إسرائيل منه، وأعتقد أن طرح هذا السؤال الآن من شأنه إفشال فكرة الحوار من أساسها، كما أعتقد أن العرب لو تمكنوا من تجاوز عنق الزجاجة في علاقتهم بجوارهم الإقليمي فإنهم سيجردون إسرائيل من بعض أوراق قوتها وهذا قد يضطرها لتعديل سياستها التصعيدية، ثم يكون لكل مقام مقال.
آتى للنقطة الخاصة بدور الجامعة العربية والتي هي المظلة التي يجب أن يستظل بها هذا الحوار فالمسارات الثنائية للعلاقات العربية مع دول الجوار وُظِفَت مع الأسف لخدمة سياسة المحاور. لكن كيف يتحاور العرب مع جوارهم وقد تعطلت بينهم لغة الحوار؟ الإجابة هي أن تعطُل الحوار العربي -العربي لم يحل دون انخراط العرب في حوارات مع دول العالم المختلفة فلماذا يشذ عن القاعدة الحوار مع دول الجوار؟ هذه واحدة، والأخرى إن دخول دول الجوار على خط الخلافات العربية يفاقمها وبالتالي فإن جذب تلك الدول لطاولة المفاوضات قد يؤدى إلى تهدئة نسبية للأجواء العربية. وأخيرا ليس من المتوقع أن تشارك كل الدول العربية في الحوار إما لأنها غير مقتنعة وإما لأنها غير مهتمة لكن حوارا لا تشارك فيه دول أساسية ك مصر والسعودية والإمارات لا جدوى منه.
في كل الأحوال فإن الأفكار المطروحة تحتاج نقاشا موسعا حولها لكن المهم أن نقتنع بجدوى الحوار، كما أن من المهم أن تقتنع دول الجوار بأنها ليست بمأمن من الفوضى وقد جاء الدليل من تركيا عام 2016 وجاء من إيران قبل أيام، وهذا موضوع المقال المقبل إن شاء الله.

