Menu

هل من مصلحة العدو ضم الضفة الغربية أو أجزاء منها؟

بوابة الهدف/ أحمد.م.جابر

تصاعدت مؤخرا الأصوات الصهيونية المطالبة بتطبيق القانون "الإسرائيلي" على الضفة الغربية المحتلة، وبلغت ذروتها بتصويت مركز حزب الليكود على عريضة تطالب الحكومة بإصدار قانون لفرض السيادة، تبعا قرار المدعي العام بتطبيق القانون "الإسرائيلي" على المستوطنات في الضفة وإلزام الوزارات بتطبيق قراراتها على هذه المستوطنات، بشكل طبيعي والأصوات الصهيونية تراوحت بين ضم كامل للضفة وضم بعض الأجزاء، حتى أن عريضة مركز الليكود بحد ذاتها غامضة بهذا الخصوص. يرتكز هذا المقال على تقرير أصدره مركز الأمن القومي الصهيوني ، حول مخاطر ضم الضفة الغربية أو أجزاء منها للكيان الصهيوني.

لاشك أن السياسات الصهيونية، ترتكز على شراهة لاتنقطع للأرض والاستيلاء عليها ولكن يبقى الهاجس الديمغرافي والفلسطينيين الذين يسكنون هذه الأرض موضع الجدل الرئيسي، فكل ما تريده الصهيونية وكيانها المادي "إسرائيل" هو "أرض أكثر وعرب أقل".

والصراع أيضا ذا طابع سياسي – أيدلوجي، حيث ترتز المعارضة على السياسة والديمغرافيا ورد الفعل الدولي، بينما جوهر القوى والأصوات المؤيدة ينصب على الدفع بالأيدلوجيا وترسيخ طموحاتها لذلك يبدو واضحا أن هذه المشاريع حتى وإن تعارضت مع السياسة الحصيفة التي من الواضح أن الكيان الصهيوني غير آبه بها إلا أنها جزء من تحقيق الرؤية الأيدلوجية التي يقودها ويرفع راياتها حاليا عتاة اليمين المتطرف من المستوطنين الذين أحكموا قبضتهم على الإطار السياسي وخصوصا حزبي الليكود وإسرائيل بيتنا، والائتلاف ككل الذي لايستطيع التمرد على رغباتهم.

منذ احتلال الكيان الصهيوني للضفة الغربية وقطاع غزة، و القدس والجولان لم يطبق قانونه على الضفة الغربية وغزة (قبل الجلاء) ولكنه فعل بالنسبة للقدس والجولان المحتلين، ومايزال المجتمع الدولي رغم ذلك يتعامل مع كل هذه الأراضي كمناطق محتلة، ويرفض المجتمع الدولي أي خطوات "إسرائيلية" لتطبيق سيادتها على هذه الأراضي، بما فيها الجولان والقدس، وفي الواقع استخدم الكيان الصهيوني قوانين الاحتلال العسكري ونظام الأوامر العسكرية في إدارة الضفة الغربية، وقد نشأ ذلك بسبب الحاجة إلى نظام قانوني لتنظيم سلطة الاحتلال وتمكينها من التمترس في الأرض المحتلة بما لايخلق صداما مع المجتمع الدولي.

غير أن المحتل الصهيوني وجد دائما وسائل للتسلل عبر هذا النظام، فلم يتردد القادة العسكريون بإصدار أوامر "البلدية: للمستوطنات الصهيونية وهي أوامر اعتمدت بالكامل على القانون "الإسرائيلي" سواء فيما يتعلق بالتعليم أو الرعاية الاجتماعية، وكذلك الحكم المحلي، ومؤخرا أصدرت وزيرة العدل الصهيونية توجيهات لتحسين وتقصير عملية تكييف القوانين المطبقة على المستوطنات مع التعديلات على القانون "الإسرائيلي". وهذا يعني أن الذريعة المتعلقة بالثغرات القانونية المتعلقة بالكيان ورغبته بمساواة المستوطينين من ناحية القانون مع سكان الكيان، إنما هي ذرائع فارغة من المضمون، إذ يمكن فعل ذلك كما اتضح دون فرض الولاية القضائية على الأراضي المحتلة، ما يثبت صحة الذريعة الأيدلوجية المرتبطة بطموحات الاستيلاء على الأرض حتى بالتعارض مع أبسط قواعد القانون الدولي.

ورغم إدراك الكيان الصهيوني لتداعيات هذا القرار في مستويات مختلفة أبرزها على الفلسطينيين ومصير السلطة الفلسطيني وكذلك محليا ودوليا إلا أنها تغمض عينيها على هذه الحقائق، وليس من الواضح بعد كيف تنوي دولة الاحتلال التعامل مع هذه المشكلات الاستراتيجية بدون أدنى شك.

فما هو مصير 2.3 مليون فلسطيني يعيشون في المنطقة (ج) إذا ضمتها دولة الاحتلال، هل سيصبحون مقيمين داخل "دولة إسرائيل" كما هو حال سكان القدي، وبالتالي يبقى مصيرهم مفتوحا على التطهير العرقي، مع تكلفة ذلك الإضافية على الاحتلال التي لايستطيع التهرب منها كما القدس،

بما في ذلك حرية التنقل والحق في التأمين الوطني. ولكن الضم سيؤثر أيضا لى الفلسطينيين الذين يعيشون خارج هذه المنطقة (في المنطقتين ألف وباء). أولا، هناك أراض، وبنية تحتية، وغيرها من الممتلكات في المنطقة ج التي تعود إلى هؤلاء المواطنين الفلسطينيين مع العلم أن مساحتها أكثر من 60% من الضفة، دون أن نتطرق للقضية الأخطر وهي تقطيع الأواصر بين المنطقتين اللتين تفصل بينهما المنطقة ج، وتقطع أوالهما أصلا،  فنظرة بسيطة إلى الخريطة تظهر كيف ستصبح الحياة والعيش مستيحلة للفلسطينيين، ناهيك عن إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة في الحد الأدنى، فلا شيء يمكن أن يعمل بشكل صحيح في هذه الدولة الممزقة، ولا حتى الأمن الفلسطيني الذي تعتمد عليه دولة الإحتلال بشكل كبير في تنسيق التعاوني ضد المقاومة.

وغير ذلك باضطرار الكيان لمنح سكان المناطق المضمومة نوعا من الحقوق سيخلق التناقض لصعوبة مواءمة هذه الحقوق القليلة بحدها الأدنى مع الحقوق الأساسية المنصوص عليها بالقانون الصهيوني، ما يحيلها بالضرورة إلى نوع من نظام الفصل العنصري.

إن الاتجاه الواقعي لمثل هذا المسار وهو ما لايريد الساسة الصهاينة وأتباعهم الأيدلوجيين استيعابه، إن حرمان الفلسطينيين من الأمل لتحقيق الحد الأدنى من تطلعاتهم الوطنية سيوصل إلى صدام من المشكوك فيه أن يكون الكيان قادرا على تفاديه أو التصدي لتبعاته ، فقطع العلاقات مع السلطة الفلسطينية نتيجة لهذا التصرف، آخذين بعين الاعتبار الإمكانية الواقعية لانهيار السلطة أو الإقدام على حلها سيضع جيش العدو من جديد أمام حالته الأصلية كجيش محتل ما قبل إتفاقيات أوسلو التي أعفته من الكثير من الأعباء وجملت وجهه القبيح،  وسيجد الكيان نفسه مسؤولا عن شعب تحت الاحتلال مع ما يترافق معه من أعباء أمنية واستراتيجية واقتصادية، وسيفرض عبئا ثقيلا على الدولة الصهيونية وتضعها وجها لوجه أمام حقيقة قيمها العارية المزيفة،  ويجدر الذكر أيضا أن اكتفاء الكيان بتطبيق قوانينه على المستوطنات لن يعفيه من مواجهة حقيقته كنظام فصل عنصري يفرض نوعين من الأنظمة والقوانين على فئتين من السكان في أرض محتلة،  إضافة إلى التبعات الأخرى التي لن تقل عن تبعات الضم الكامل وإن كانت مختلفة.

ولاشك أن المجتمع الدولي (دون توقع الكثير منه) سينظر إلى خطة من هذا النوع كمحاولة التفافية على حل الدولتين ومسعى صهيوني لإحباط هذا الحل الذي ما يزال معظم المجتمع الدولي يراهن عليه.

وقد ذكرت محكمة العدل العليا في لاهاي في فتواها القانونية عام 2004 أثناء مناقشتها لقضية سياج الفصل العنصري  أن ضم جزء من الراضي المحتلة يشكل انتهاكا للقانون الدولي ولحق الفلسطينيين في تقرير المصير . وينص قرار مجلس الأمن 2334 الصادر في كانون الأول / ديسمبر 2016 صراحة على أن مجلس الأمن لن يعترف بأي تغييرات تطرأ على خطوط عام 1967 التي وافق عليها الطرفان من خلال المفاوضات. وبرغم حالة الانحدار العربي تجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني، إلا أن الأنظمة العربية ومن باب مصالحها الخاصة بالذات قد تجد صعوبة في هضم القرار الصهيوني، مما يوتر العلاقات مع مصر والأردن ويعرقل الخطوات الأخرى لترسيخ هذه العلاقات بين الكيان الصهيوني وأنظمة عربية أخرى.

ورغم اصطفاف الولايات المتحدة مع الكيان وحتمية عرقلتها لأي قرار من مجلس الأمن بهذا الخصوص إلا أن خبراء صهاينة يعملون في مجال الأمن يحذرون من أن الاتحاد الأوربي قد لايتردد في إصدار عقوبات صارمة ضد "إسرئيل" وكذلك يحذر هؤلاء من إدارة ديمقراطية قد تخلف ترامب ولا تجد نفسها ملزمة بمساره ويحذر هؤلاء أيضا من فداحة الأضرار التي قد تلحق بمشاريع التعاون الدولي  التي ترفق نصوص اتفاقياتها بعد تطبيقها على الأراضي المحتلة وفق القانون الدولي، ويعتبر هؤلاء الخبراء أن على الكيان إذا ما أراد المضي في هذه الخطوات أن يتوقع مغادرة منظمات دولية مهمة مع ما يعنيه هذا من الإضرار بمصالحه، ومن المرجح أيضا أن يؤدي قرار ضم الأراضي إلى زيادة إمكانيات الإجراءات الجنائية الدولية. حيث يعرف قانون المحكمة الجنائية المستوطنات بأنها جريمة حرب وثمة ملف حاليا على مكتب المدعي العام للمحكمة. يرى خبراء الأمن الصهيوني أن قرار تطبيق السيادة "الإسرائيلية" على الأراضي له آثار خطيرة على الصعيدين المحلي والدولي.

كل هذا، نعلم كفلسطينيين أنه غير مهم، ولكن الأهم هو أن تدرك القيادات السياسية الفلسطينية للمخاطر الجارية المحيقة بأرض والشعب، وأن تدرك أن هذا العدو قد قر قراره على استكمال عملية التطهير العرقي الإجرامية التي بدأها قبل عام 1948، وربما في ظل الواقع السياسي الفلسطيني، يصبح غير ذي صلة الأمل بالنهوض السياسي ووجود حوامل لهذه المرحلة الجديدة كليا من الصراع، ولكننا ندرك أن فدائيا يمشتق سلاحه في قرية أو مخيم، لايأبه كثيرا لقرارات الضم ولايهتم بمعرفة نصوص القرارات الدولية، ويتابع أخبار المحكمة الجنائية، لأن وعي الشعب المظلوم بديهي غير قابل للضبط والسيطرة، عصي دائما على الهيمنة والإخضاع، فهل يعي سياسيونا هذا قبل أن يعيه سياسيو العدو.