Menu

التجديد من أجل التمكين.. القرضاوي نموذجاً

عبد الوهاب حسن

بات التجديد الديني مصدر رزق كبير ببلدنا، ولم يعد مصدر رزق لشيوخ السلاطين وحدهم كما كان الأمر في السابق، بل ظهر لهم شريك آخر بعد أن سقطت هيبتهم، الأمر الذي أدى لظهور طوائف جديدة بديلة لم تقف عند حدود الاسترزاق باسم الدين بل تجاوزته إلى التجارة به، فهذه الطوائف تأبى الاكتفاء بالفتات كما شيوخ الدولة الرسميين، وإنما تريد السيطرة والسلطة كاملة باسم الدين، لذلك تعدد المجددون في هذا الزمان بتعدد تلك الطوائف، بينما انعدم أثر أي منهم؛ وذلك لأن كل تجديدهم المزعوم لم يكن سوى أداة للكسب السياسي لا الديني، بعد أن انحصرت اهتماماتهم بما يخدم مصالحهم الشخصية التي هي مصلحة جماعتهم أو طائفتهم الضيقة فهم يدورون في فلك مصلحة الجماعة لا الدين أو الأمة، والأمثلة على ذلك كثيرة، أبرزها وأشهرها، صاحب المقام الرفيع الدكتور يوسف القرضاوي، فالشيخ الذي يعد أكبر واجهات جماعة الإخوان المسلمين وأهم أداة من أدواتها، والذي قامت شهرته على دعم الجماعة لصورته في النفوس على أن يدعم هو سطوتها وتمكينها السياسي، وعلى هذا الأساس من المنفعة المتبادلة نفهم مواقف وخيارات وتحيزات الشيخ الدينية والفقهية منذ البداية، ففي التسعينيات حينما بدأ نجم الشيخ في السطوع أرادت الجماعة نفوذًا وسطوة لها في مراكز الثقل السياسي في عالمنا المعاصر فوضعته على رأس مجلسها الأوربي للإفتاء، وفي سبيل ذلك أفتى الشيخ بجواز بقاء الزوجة المسلمة الجديدة مع زوجها غير المسلم، ليصدم العلماء وطلاب العلم، لكنه لم يكتراث فمصلحة الجماعة والتمكين لها يقتضي ذلك، إذ ادعاء التسامح سيضع الجماعة نصب أعين السياسيين الأوربيين، ويعزز مركزها ويجلب الدعم السريع، خاصة أن الأوربيين بدأ ينغصهم انتشار التطرف في القارة العجوز في تلك الأحيان، وحينما تقرر أمريكا غزو أفغانستان، ويقف الجنود المسلمون بالجيش الأمريكي أمام القرار معترضين، فالحرب لا مبرر لها بالنسبة لهم، ودينهم لا يسمح بالمشاركة في حرب ضد دولة مسلمة بلا سند شرعي، ليصدر القرضاوي للسفير الأمريكي في الدوحة فتوى خاصة، يجيز فيها للجنود المسلمين في الجيش الأمريكي المشاركة في حرب أفغانستان لقتل المسلمين فيضعف موقف الجنود الرافضين.

وحينما يقرر الأمريكان غزو العراق وتختلف الجماعة معهم يصدر القرضاوي فتواه بوجوب الجهاد ضد الأمريكان في العراق، أما قطر التي كانت تقلع الطائرات من القاعدة الأمريكية بها لقصف بغداد، فلم يعلق في شأنها ولو بكلمة.

وحينما تكون الجماعة على وفاق مع إيران ويصرح المرشد مهدي عاكف أن الإخوان يؤيدون أفكار ومفاهيم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تأتي فتاواه ومواقفه الدينية متماهية مع الجماعة، فيفتي بصحة الزواج بين السنة والشيعة، ويعين رمزًا من أكبر الرموز الشيعية في اتحاده العالمي لعلماء المسلمين نائبًا له، وهو ما حمل الكثيرين على الاعتقاد أن خلاف الألف عام قد انتهى على يد الشيخ، قبل أن يعود الشيخ في آرائه، وانقلب من النقيض إلى النقيض، حينما اختلفت الجماعة مع طهران فأخذ يوجه هجومًا عنيفًا للشيعة، ويصف حزب الله الذي لطالما مدحه وزكاه بحزب الشيطان وحزب اللات، هكذا بلا مقدمات من منطق، جارًا الأمة كلها معه بين ذهابه وإيابه في علاقته بإيران، إضافة إلى ذلك ما ابتلي به من تعصب فج وأعمى لجماعته بعد ثورة 30 يونيو وانتقاله لتكفير من كال لهم المديح قبلها بأيام معدودات.

إن نماذج الاسترزاق باسم التجديد الديني، واستعماله من أجل خدمة أهداف بعيدة كل البعد عن الشعار المرفوع، متمثلًا في التجديد، أضح ظاهرة يتزايد أعداد أصحابها يومًا بعد يوم، حتى بتنا عند إصدار أي رؤية أو فتوى جديدة بدلًا من أن نبحث عن أسانيدها الشرعية نبحث عن المستفيد منها.



نقلاُ عن: البديل