حددت طريقة التحضير لـ«اجتماع المركزي الفلسطيني» ومداولاته، ومكان انعقاده، مضامين نتائجه؛ وقادت بالتالي إلى إضاعة فرصة فعلية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، كشرط لازم لأية انتفاضة شعبية مستمرة وشاملة.
أما لماذا؟ قيل والقول صائب كل سير في المداخل الخاطئة يجعل التقدم مراوحة في المكان. ينطبق هذا القول على تفرّد القيادة الفلسطينية الرسمية بتحديد مكان «الاجتماع» والتحضير له، حيث تجاهلت مطلب فصائل المعارضة، سواء داخل منظمة التحرير الفلسطينية أو خارجها، أو حتى داخل حركة فتح، بعقد «المركزي» خارج قبضة الاحتلال، وبتشكيل لجنة تحضيرية وطنية تُحدّد جدول أعماله، وتُعد بالتوافق مشاريع قراراته، ويُشارك فيها من الوطن والشتات، ممثلون عن الفصائل السياسية والحركات المجتمعية والثقافية والشبابية، والنسوية والنقابية والجماهيرية والاتحادات الشعبية والشخصيات المستقلة.
أما مداولات الاجتماع، فاتسمت بالشكلية، واقتصرت على تقديم الفصائل لمداخلات ومذكرات، أعلنت مواقفها المعروفة، فيما تجاهل البيان الختامي مضامينها، وأخذ بعض تفاصيلها، اتصالاً بأنه أعدَّ سلفاً، وتبنى، في الجوهر، مواقف الرئيس أبو مازن، التي أعلنها في خطابه أمام الجلسة الافتتاحية العلنية للاجتماع. هذا يعني أن قاعدة: «قولوا ما تشاؤون وأنا أفعل ما أشاء»، قد تحكّمت في مداولات «اجتماع المركزي»، حتى وهو يقف، كأعلى سلطة تشريعية في غياب المجلس الوطني، أمام مخاطر تتهدد جدياً مصير الوطن والشعب وقضيّته وحقوقه الوطنية والتاريخية، وليس مصير القدس فقط.
لذلك كله قاطعت «الاجتماع» حركتا حماس والجهاد، والشعبية القيادة العامة، بينما حضرته وتحفظت على قراراته الجبهتان الشعبية والديمقراطية، والمبادرة الوطنية و«فدا»؛ ما يعني بقاء الانقسامات الداخلية على حالها.
أما نتائج الاجتماع (قراراته) على أهميتها، فإنها أبقت الباب مفتوحاً على إمكانية العودة لمفاوضات مسار «مدريد أوسلو» العقيمة، علماً أن الاحتلال أسقط من جدولها بدعم أمريكي «حق العودة» والقدس والدولة والمستوطنات. لقد اتسمت قرارات «المركزي» ب«الرمادية»؛ ولو شئنا القبض على جوهر الأمر لقلنا:
1- قرار أن «المرحلة الانتقالية لم تعد قائمة»، هو مجرد تأكيد لواقع الحال، ف«المرحلة الانتقالية» هذه، انتهت زمنياً في مايو/أيار 1999، لكن تمديدها الواقعي أبقى التعاقد السياسي (أوسلو) الذي قامت على أساسه، والالتزامات الأمنية والاقتصادية المترتبة عليه.
2- قرار تأكيد قرار «المركزي» عام 2015، بوقف التنسيق الأمني، وتكليف «اللجنة التنفيذية» مجدداً بتنفيذه، يعني وضعه برسم هيئة لا تأبه بقرارات «المركزي» الملزمة لها، ما يوجب مساءلتها ومحاسبتها، قبل تكليفها مرة ثانية.
3- قرار تحويل السلطة الفلسطينية إلى دولة تحت الاحتلال، كان يمكن أن يكون جدياً، لو أنه تضمن دعوة الشعب الفلسطيني إلى النضال، لأجل بسط سيادة هذه الدولة على أرضها، ومطالبة هيئة الأمم بالاعتراف بها، وبإلزام الاحتلال بالجلاء عنها، بمظاهره السياسية والأمنية والاقتصادية والاستيطانية.
4- قرار تعليق الاعتراف ب«إسرائيل» إلى حين اعتراف الأخيرة بالدولة الفلسطينية، وتكليف «اللجنة التنفيذية» بتنفيذه، هو مجرد تأجيل، لا طائل منه، لإلغاء هذا الاعتراف، ذلك أن حكومات الاحتلال المتعاقبة رفضت إقامة دولة مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس، ناهيك أن الزحف الاستيطاني الجنوني لم يتوقف طوال 25 عاماً من المفاوضات، فيما قررت حكومة الاحتلال القائمة (بقانون من الكنيست)، إزاحة القدس عن طاولة التفاوض. كل ذلك من دون نسيان قرار «حزب الليكود» الحاكم، بضم أغلب أراضي الضفة، تنفيذاً لبرنامجه القائم على (سلطة واحدة بين البحر والنهر).
بقي القول: مرت المسيرة النضالية الفلسطينية المعاصرة بمحطات مترابطة، بدأت بمحطات الدفاع ضد عنجهية وبشاعة أيديولوجيا (أين هو الشعب الفلسطيني)، المتمثلة في العمل الفدائي في الأردن (67-70) ولبنان (70-82)، ونضالات الصمود بعد «زلزال» اجتياح لبنان (82-87)؛ حتى الانتقال إلى محطة الهجوم بالانتفاضة الشعبية الكبرى (87-92)، التي حشرت الاحتلال في موقع الدفاع، وجعلت إمكانية إنهائه عن «مناطق 67» إمكانية واقعية، لكن مسار أوسلو «قطع السياق، حيث انقسمت الانتفاضة، وانقسمت الحركة الوطنية، فيما جاء الهجوم الأمريكي «الإسرائيلي» لتصفية القضية الفلسطينية، فرصة لإنهاء هذا المسار المدمر، وما أنتجه من انقسامات وديناميات اختزالية تفكيكية لخريطة الوطن والشعب، والحقوق والنضال وبرنامجه وأدواته، لكن قرارات «المركزي» الرمادية أضاعت هذه الفرصة.

