Menu

جورج حبش في ذكراه العاشرة: ما بين ثلاثية المنظمة والجبهة وفلسطين!

حاتم استانبولي

الحكيم شخصية من طراز خاص يمتلك روحية نضالية عالية وعقلية تحاول أن تلتقط كل فكرة جديدة جريئة يتبناها ويشجعها.

لا يمكن اختصار تجربة الحكيم أو رؤية دوره من خلال تجربته في الجبهة بل بالضرورة يجب رؤيتها من خلال دوره بثلاثية الجبهة والمنظمة وفلسطين. الحكيم كفرد لعب دوراً رئيسياً في جميع المتغيرات التي سادت في حركة القوميين العرب ومن خلال بعض الحوارات التي دارت بيننا شعرت أن الحكيم لم يكن يرغب في أن يفكك حركة القوميين العرب وإنما كان دائماً يرغب في أن يبقيها موحدة على قاعدة الوحدة والصراع ولكن الظروف الذاتية لكل إقليم كانت أقوى من رغبة الحكيم. كانت لديه رغبة وحلم بأن تكون ثنائية التحرر الوطني الفلسطيني والتحرر السياسي والاجتماعي في الوطن العربي يسيران جنباً إلى جنب.

انتقال الحكيم من قائد لحركة القوميين العرب إلى آمين عام اقليم فلسطين الذي تحول الى منظمة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أثر على أدائه إيجابياً من جانب علاقاته مع العمق العربي (القومي للجبهة). ان التفاعلات التي كانت تحكم الجبهة هي امتداد للتفاعلات التي حكمت حركة القوميين العرب بين الاتجاهات القومية والاتجاهات التي كانت تنادي بمغادرة الفكر القومي الى الفكر الاشتراكي العلمي وشكل الصراع في فرعي الحركة في كل من اليمن وفلسطين أبرزها. ولكن بحكم بنية الحركة لم تستطع ان تتحكم في احتواء الصراع بين أجنحة التيارات بالرغم من ان فرع فلسطين اقر الوثيقة التنظيمية والسياسية للجبهة ولكن إصرار بعض القيادات على الانفصال عن الجبهة ليس فقط لدواعي فكرية وسياسية او تنظيمية ولكن لعب العامل الخارجي دوراً حاسماً في الانشقاقات التي حصلت.

ان الصراع الذي كان يحكم مرحلة ما قبل الـ67 بين حركة القوميين العرب والشيوعيين لعب دورا في توجهات الجبهة الأولى وموقفها من الحركة الشيوعية نابع من موقف الشيوعيين من قرار التقسيم واعطائها اولوية للبعد السياسي الوطني على البعد الاجتماعي اضافة الى هزيمة ال67 وما لعبته من دور في انتكاسة الفكرة القومية. وبالرغم من ان فريقا من (اليساريين) خرج من الجبهة في مرحلتين الديمقراطية والثورية (نايف وأبو شهاب) الا ان الحكيم كفرد كان له دور في العمل على فكرة التحول لتنظيم ماركسي ليضيف البعد الاجتماعي الى البعد الوطني التحرري. وجاءت وثيقة مهمات المرحلة لتؤكد على هذا التوجه! وهنا كان السؤال الدائم يطرح: هل تستطيع الجبهة ان تنجز عملية التحول التي كانت تواجه عقبات بنيوية؟ والسؤال الآخر هل تستطيع الجبهة ان تستمر بعملية التحول في ظل المستوى الفكري وترسبات تجربة حركة القوميين العرب والتي كانت واضحة في قرار تأسيس حزب العمل الذي كان مفترض أن يكون أذرع الجبهة الشعبية في البلدان العربية. حيث اسس فرعين حزب الشعب في الأردن والعمل في لبنان. هنا كان الحكيم ورفاقه في قيادة الجبهة يحاولون استثمار ارث الحركة لتحويله الى حزب عربي بفروع اي ان فكرة حركة القوميين العرب كانت ما زالت تتحكم في قيادة الجبهة وهذا استمر حتى المؤتمر الرابع عندما طرح فيه ان صيغة الحزب ارقى من الجبهة ولا يمكن لجبهة ان تنتج حزبا والتقط الحكيم هذه الفكرة واتخذ قرارا بوقف العمل بفكرة حزب العمل وحزب الشعب وتحويلهم لمنظمات للجبهة الشعبية. من الواضح ان نضوج الجبهة سياسياً وفكراً كان يتم من خلال صراع ما بين الجبهة وبين بعض اتجاهات يسارية داخلها لم تكن تحمل رؤية واضحة محددة تنعكس في خريطة طريق لتطوير الجبهة وانجاز التحول وكان دور الحكيم دائما يميل الى الفكر الذي سينقل الجبهة لمرحلة التحول. حيث كان هنالك رؤيتين احداها تؤمن بالدور القاعدي مع الحفاظ على الدور التاريخي للقادة التاريخيين وعدم المساس بهم  للتغيير والآخر بالدور القيادي التاريخي مع العمل من اجل احداث تغيير في معتقداتهم الفكرية وهنا فان الجبهة دفعت اثمان نتيجة هذا الموقف حيث اتخذت الكثير من المواقف اثرت على فعالية الجبهة ودورها في منظمة التحرير حيث اتخذت عدة قرارات بالانسحاب من اللجنة التنفيذية للمنظمة وكذلك للاتحاد العام لطلبة فلسطين التي كانت تتمتع الجبهة فيهم بنفوذ واسع وتركت مواقعها لمحاولة تشكيل اطار بديل للمنظمة في تجربتين لهما ما لهما وعليهما ما عليهما. وفي هاتين الحالتين تحديدا جاءت الهيئات المركزية لتؤكد عدم صوابية الموقف. ومن الواضح ان الحكيم كان دائما يتعامل مع نقد المواقف والافكار بصورة ايجابية ويأخذها على محمل الجد. وفي نهاية الامر كان الحكيم ينتصر لدور المنظمة كإطار جامع وان فلسطين هي البوصلة وتتطلب ان نعمل بشكل موحد مع جميع اطياف الشعب الفلسطيني على قاعدة البرنامج الوطني التحرري بعيدا عن الاستسلام او المساومة على الحقوق التاريخية الوطنية الحقوقية السياسية الإنسانية العادلة. لم يكن الحكيم ماركسيا بالمعنى الفكري ولكنه في سلوكه ومواقفه وممارساته كان يساريا من الطراز الأول.

هنالك الكثير مما يمكن أن يقال ومن الظلم اختصارها في مقال! لكن يمكن أن نقول أن جورج حبش قائد وطني من طراز خاص استطاع أن يوظف ميزاته الشخصية لتعزيز دور الجبهة وحمايتها وانتقالها الآمن بالرغم ظروفه الصحية التي طرأت عليه في ادق ظروف النضال الوطني  ومن كل ما كان يحيطها من استهداف لوحدتها ودورها وفي بعض المحطات كان دوره هو المستهدف. لكنه كان يؤكد دائما ان الهدف هو فلسطين الديمقراطية وهي البوصلة التي يجب ان تحكم كل تعارضاتنا لتوظيف نتائجها ايجابا لفلسطين. ان ثلاثية الجبهة والمنظمة وفلسطين كانت الإطار الذي يحكم دوره. وبالتأكيد فان الجبهة وبالرغم من المعيقات سيكون لها دور مؤثر وفعال في مستقبل التحرر الوطني الفلسطيني.