Menu

عن جدوى استخدام مفاهيم الحداثة..

غازي الصوراني

تعبيرية

أرى أن الفكرة المركزية في جدوى استخدام مفاهيم الحداثة، تقوم على انتقال مجتمعاتنا العربية من حالة الركود والتخلف التاريخي والتبعية إلى حالة النهوض والديمقراطية والعلمانية والتطور الاقتصادي والتنمية المستقلة والتقدم، وفق قواعد العقل والمنهج العلمي، مع يقيني بأن الحديث عن مفهوم الحداثة وقيمها، هو حديث عن مرحلة تطورية لم ندخل أعماقها بعد، و لم نتعاطى مع أدواتها و معطياتها المعرفية العقلانية التي تحل محل الأدوات و المعطيات المتخلفة الموروثة والراهنة في مجتمعاتنا، وهنا تكمن الجدوى من وعي هذا المفهوم واستخدامه لمجابهة مظاهر وأدوات التخلف (الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي)، بالعقل والعقد الاجتماعي، و لمجابهة الحكم الثيوقراطي و الأوتوقراطي الفردي وكل أشكال ومظاهر الاستبداد بالعلمانية و الديمقراطية، و لمجابهة الامتيازات الطبقية وتراتبية الحسب و النسب و اللقب بالمساواة الحقوقية و المدنية ومبدأ المواطنة ، بين جميع المواطنين ، فأين نحن العرب من كل ذلك ؟ ونجيب بوضوح، ان مجتمعنا العربي اليوم، هو -مجتمع بلا مجتمع مدني-، فطالما أن بلادنا ليست في زمن حداثي/حضاري ولا تنتسب له، بالمعنى الجوهري، فإن العودة إلى القديم أو ما يسمى بإعادة إنتاج التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، سيظل أمراً طبيعياً فيها، يعزز استمرار هيمنة المشروع الاستعماري المعولم على مقدراتنا واستمرار قيامه فقط بإدارة الأزمة في بلادنا دون أي محاولة لحلها سوى بالمزيد من الأزمات وتفكيك بنيان الدولة ال قطر ية وتجزئتها جغرافياً أو طائفياً ومذهبياً.

إن الانعتاق السياسي الذي حققته الثورة البرجوازية في عصر النهضة ، يتوجب أن نتعامل معه كنقطة انعطاف مذهلة في التطور التاريخي ، وتقدما عظيما في إطار النظام الاجتماعي القائم ،وهو منعطف لابد لنا – في فلسطين والبلدان العربية- من أن نعمل على مراكمة عوامل الموضوعية والذاتية بما سيضمن – بوسائل ديموقراطية- تجاوز الرؤى الاحادية لحركات الاسلام السياسي المستندة على المفاهيم الأصولية القديمة، لحساب مفاهيم النهضة والتنوير والحداثة صوب آفاق مجتمع مدني ديمقراطي، يزيح أشكال الاستبداد والسيطرة والتفرد التنظيمي والصراعات الفئوية على السلطة والمصالح الطبقية والطائفية المذهبية في حاضر مجتمعنا ومستقبله، دون أن يعني ذلك اغفالنا لعملية الصراع الطبقي والنضال ضد الاستغلال الرأسمالي وكل مظاهر التبعية والتخلف بصورة ديمقراطية، ذلك إن انعدام المساواة، ظاهرة موضوعية، وسمة أساسية من سمات المجتمع المدني الليبرالي البرجوازي، فهو -في جوهره- مجتمع الصراع الطبقي والصراع السياسي في آن معاً، وهنا تكمن بالضبط الجدوى من استخدام مفاهيم الحداثة.