Menu

"حصار غزّة التاريخي"

تعبيرية

خالد جمعة

هي غزة، تلك البقعة الناتئة في الخارطة، ذلك الهوس التاريخي لكل من مر من هناك، هوس لسكانها كما هي هوس لأعدائها، غزة التي تحقق ـ ما زالت ـ نبوءة العرافة في أن تكون في زمان غلط ومكان غلط، ترتفع درجة حرارتها إلى حد الانفجار، وتتجمد إلى حد التحنيط، فيها كل ما عرفته البشرية من تناقضات، وتتعايش كلها في خمسة وأربعين كيلومتر طولا، في سبع كيلومترات عرضاً تمتد في بعض المناطق لتصل إلى اثني عشر كيلومتراً، وهي في المحصلة أصغر من مزرعة أمير من أمراء الخليج يرعى فيها مسابقة للجمال الحمراء.

مأساة غزة الحقيقية، أنه لا أحد يأخذ مأساة سكانها على محمل الجد، بمن فيهم بعض الفلسطينيين بطبيعة الحال، غزة التي تعرضت للحصارات الطويلة عبر التاريخ، تتعرض منذ اثني عشر عاماً لحصار بري وبحري وجوي وتحت أرضي كذلك، حصار اقتصادي وسياسي وغذائي وطبي ونفسي كذلك، هذا الحصار الذي اشتد منذ عام 2006، العام الذي جرت فيه الانتخابات الفلسطينية الأخيرة، لم يبدأ في ذلك العام، بل هو مستمر منذ توقيع اتفاق أوسلو، ولكنه لم يكن قبل هذا التاريخ بالشدة التي أصبح عليها بعد الانتخابات، وإذا سلمنا بأن إسرائيل هي دولة احتلال وبالتالي فإنها تفعل فعل أي احتلال، بأن يحاصر المدن والقرى التي يحتلها، فإن سكوت بقية العالم على هذا الأمر لا يمكن فهمه بأي حال من الأحوال.

لن أتحدث عن قضايا إنسانية تجري كل يوم في غزة مثل موت الأطفال والمرضى، والإصابات الهائلة بالسرطان والفشل الكلوي، ولن أتحدث عن مياه شرب فيها من التلوث والملوحة أكثر مما هو موجود في مياه المجاري في السويد، فلقد قام الفني الذي يركب الفلاتر ذات يوم بفحص ملوحة المياه في بيتي في غزة، فكانت 12 ألف جزيء في اللتر، وعندما سألته ماذا يعني ذلك؟ قال: مياه البحر تحتوي على 33 ألف جزيء في اللتر، مما يعني أن ماء الحنفيات في غزة فيه ثلث ملوحة البحر.

لن أتحدث عن المدارس التي ضاقت، ولا عن المستشفيات التي توقفت، ولا عن البطالة التي استشرت، ولا عن الفقر الذي مد يده إلى كل مكان وإلى كل عائلة في غزة، فهذه كلها أمور أضحت واضحة، لكن من الخطورة التحدث عن مشكلة غزة كمشكلة إنسانية، لأن مشكلة غزة سياسية بالدرجة الأولى، تتعلق بموقف العالم من فلسطين، وموقف الدول المتقدمة والغنية من إسرائيل، وموقف العرب الصامت منها، فاستمرار ما يحدث في غزة هو دليل واضح على رغبة العالم في التخلص من غزة، هذا إذا لم يستطع إخضاعها، وهو ما لم ولن يستطيع فعله لأن أعداء غزة لا يعرفون طبيعة أهلها على ما يبدو، وهذا هو السبب الأساسي الذي يجعلهم يحاولون إخضاعها المرة تلو المرة.

في المحصلة، غزة تموت، وإن لم يكن موتها هو موت من يوضع في قبر، لكنه موت لحركة الحياة، موت لحركة التعليم والثقافة والفن والنمو والتقدم، موت لقدرة أهلها على الصبر والاحتمال، موت لقيم الإنسانية التي ينادي بها الغرب والشرق، موت لقيم يتشدق بها شيوخ المساجد في البلدان الإسلامية، وكأن المقولة التي يقولها الدين يكفيها أن توضع في كتاب لتكون صحيحة، وهم أعلم بأنها لن تكون صحيحة إلا إذا طبقها حاملوها على أرض الواقع، وهذا ما لم يحدث منذ توفي النبي عام 631 ميلادية.

حين ترفع غزة يديها بالدعاء، فإنك تلمح يدين كليلتين، عاجزتين عن الانتصاب، تلمح قهراً في العينين وارتجافاً في الشفتين، تلمح تعباً في الروح وضباباً في الهواء الذي تتنفسه، وفوق ذلك كله يأتي من يطالب الناس بالمزيد من الصمود دون أن يكون لديهم أي معطى من معطيات الصمود، وتنهال الشعارات على المدينة من اليسار واليمين والوسط، من الملحدين والمؤمنين واللاأدريين، كلهم ينحتون شعاراتهم على جلد المدينة، ويمضون إلى أعمالهم مكتفين بشعاراتهم.

أعرف أن غزة لن تموت ولن تخضع، ولكنها منهكة، تقاوم وهي منهكة، غزة لا تقاوم أسلحة وطائرات إسرائيلية فقط، بل تقاوم ممحاة هائلة تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تمحو وجودها عن الخارطة.