مبادرة.. وساطة..خارطة طريق..اتفاقية تفاهم.. اختلفت المسميات والمعنى واحد.. حيث كلها مفاهيم ومصطلحات شاع استخدامها على الساحة الفلسطينية والتي لاتزال تملأ ذاكرة الفلسطيني، تارةً تشعره بأن هناك بارقة أمل في الأفق.. وتارةً تشعره بأن الطريق المسدود، بل و يزداد انسداداً !
ولعل الكثير من الفلسطينيين تلهف للوساطة السويسرية الأخيرة لإعلانها بأن أهم ما ستركز عليه هو حل أزمة موظفي قطاع غزة التابعين لحكومة حماس والذين لا يتقاضون رواتبهم،فيما اعتبرها البعض أنها ترسيخ لحكم حركة حماس في قطاع غزة واستمرار السيطرة الأمنية للحركة علىالقطاع على غرار حزب الله في لبنان, وأيضاً لإيجاد حلول للأزمة المالية التي تعيشها الحركة بعد انكماش تجارة الأنفاق واضمحلال الموارد المالية, وبعد أن عزفت إيران عن تقديم الدعم المالي للحركة منذ انطلاق الثورة في سوريا.
هي ورقة أو وساطة أو جبهة سياسية لها أهدافها الظاهرة ولها أهدافها المبطنة. ولعل القضية مرت بعشرات بل بمئات الأوراق السياسية التي آلت بقضيته إلى هذا الحد, أستحضر هنا مبادرات عديدة ومنها كانت مبادرة روجرز وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون, حيث أن سياسة الولايات المتحدة كانت تهدف إلى تشجيع العرب على قبول سلام دائم وشامل في منطقة الشرق الأوسط وكذلك تشجيع إسرائيل على قبول الانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد توفير الضمانات الأمنية اللازمة.وكثير منا يذكر كيف أن الرئيس المصري جمال عبد الناصرفوجئ بهذه المبادرة وهو يعي أبعادها، ولكنه وبعد أن رفضت إسرائيل المبادرة وافق عليها محاولة منه لإحراج إسرائيل وإعادة بناء قدرات الجيش المصري, وحسب تصريح له (لا أعتقد أن لهذه المبادرة أي نصيب من النجاح وإن فرصة نجاحها لا تتجاوز 0.5 %) وفعلاً تم رفض المبادرة من قبل العرب والفلسطينيين الذين لم يكونوا مهيأين أصلاص لقبول أية مبادرة، إلى أن انتهى أي أمل للمبادرة بشكل تام مع موت عبد الناصر. ومن ثم جاءت ورقة كامب ديفيد التي وقعها الرئيس المصري محمد أنور السادات مع إسرائيل واستكمل بنودها الرئيس محمد حسني مبارك بعد اغتيال السادات عام 1981. وفي ورقة أخرى كان لها دوراً بارزاً في تاريخ القضية الفلسطينية كانت مهمة فيليب حبيب موفد الخارجية الأمريكية اللبناني الأصل والذي لعب دوراً هاماً ما بين عامي 1981 و1983 وأثناء الغزو الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت وصمود الثورة الفلسطينية أمام آلة الحرب الإسرائيلية حيث توج نشاطه بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية عام 1982, وهي أيضا كانت ورقة أخرى لترويض الفلسطينيين والعرب لقبول التفاوض المباشر مع إسرائيل ومحاولة لقلب المزاج العربي, إلى أن وصلنا إلى مهمة وزير الخارجية النرويجي والتي أثمرت عن توقيع اتفاق المبادئ في أوسلو ودخول منظمة التحرير الفلسطينية في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل والتي رفضتها حركة حماس جملةً وتفصيلاً كما رفضت عقبها أن تخوض انتخابات المجلس التشريعي عام 1996, أما المحطة الأبرز هو ما وصل إليه حال القضية الفلسطينية من انحطاط بعد إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية, وبدأ تعنت إسرائيل في المسار التفاوضي مما خلق مزاج فلسطيني غاضب على سير المفاوضات وسوء الأوضاع الاقتصادية مما أدى الي إندلاع الانتفاضة الثانية في العام 2000, ليبرز إلى السطح الحدث الأهم وهو المتمثل في موافقة حركة حماس على خوض انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني والتي تنضوي تحت مظلة اتفاق أوسلو حيث حصدت أصوات الفلسطينيين بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي عام 006 , ليتبعه الانقلاب على السلطة في قطاع غزة وسيطرة حماس العسكرية على مقرات الأجهزة الأمنية في قطاع غزة وما ترتب عليه من نتائج سيئة على سير القضية الفلسطينية و تعثر المفاوضات المتعثرة أصلاً؛ حيث بدأت الأوراق تأخذ منحى معاكس واستبدل الطرف الإسرائيلي بطرف فلسطيني وبدأت الوساطة كلها تتكسر على صخور الرفض الفلسطيني لإنهاء الانقسام, وبعد فشل جميع الاتفاقيات والمبادرات لرأب الصدع بين حركتي فتح وحماس حتى يومنا هذا بدأ ظهور من يعمل على استغلال هذا التعنت لدى الطرفين ويعمل جيداًلترويض الشعب الفلسطيني ليكون على جاهزية كاملة للقبول بأقل وأدنى المطالب والحقوق حيث ظهرت نقاط خلافية بين الطرفين عجز الجميع عن تجاوزها, ولا نعلم إن كانت قضية استيعاب موظفي حكومة حماس والبالغ عددهم 45 ألفاً هي المعضلة الأولى أو الأخيرة الذي جعلت الوسيط السويسري يصول ويجول ويقدم الاقتراحات لحكومة حماس إذ تشترط استيعابهم وضمهم إلي موظفي السلطة الوطنية بشكل كامل وهو ما تعتبره السلطة عبئاً على موازنتها.
ولعل الشئ المؤلم في الورقة السويسرية أنها تعمل على حل القضية داخل البيت الفلسطيني بمشاركة غير معلنة رسمياً من كل من أمريكا وإسرائيل إلى جانب المحور التركي القطري والعمل على وضع الفلسطينيين في خندق واحد هو خندق المفاوض الهزيل؛ وهنا تكون إسرائيل احتوت كل أطراف اللعبة السياسية الفلسطينية. إذن القضية ليست ورقة سويسرية لحل أزمة موظفي القطاع العام بل هي مناورة من كل الأطراف وعلى رأسها حركتي فتح وحماس قطبي الساحة الفلسطينية فكل منهما له تطلعاته وأهدافه حيث إن حركة فتح والتي وقعت مع إسرائيل اتفاق المبادئ في أوسلو, ووقعت تباعاً مع إسرائيل إتفاقيات عديدة لم يكتب لها النجاح, يحذوها الأمل بنجاح المبادرة خاصةً أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)يسعي جاهداًللوصول إلى وحدة القرار الفلسطيني وجمع الفصائل وعلى رأسها حركة حماس تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية ليقف علىأرض صلبة من أجل تحقيق رؤيته السياسية التي عمل من أجلها منذ توليه قيادة السلطة وليثبت للعالم أن الشعب الفلسطيني بكل أطيافه أصبح على جاهزية لقبول مبادرات تحقق الحد الأدني من مطالب الشعب الفلسطيني ولضمان التزام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بدعم السلطة الفلسطينية مالياً وسياسياً وليتجنب لجوء حماس للشروع بمفاوضات مع إسرائيل عبر الدوحة وأنقرة , اما في حال رفض المبادرة سيقع عباس تحت وطأة التهميش والضغط عليه سياسيا وماليا . أما حركة حماس في حال تحققت شروطها فبموافقتها على الورقة فهي سوف تسعي لنسج علاقات دولية ومكتسبات سياسية للحصول على مكاسب خاصة بأيديولوجيتها والمراهنة على المتغيرات الدولية لتحقيق أهدافها وأهداف اللاعبين الداعمين لها في المحور التركي القطري المقرب من إسرائيل والداعم للإخوان المسلمين و الذي يعمل جاهداً على توفير أرضية خصبة لإقامة كيان وهوية للإخوان المسلمين في قطاع غزة تكون نواة لكيان إخواني في الشرق الأوسط تدعمه تركيا وقطر بعد فشل الربيع العربي في إفراز هذا الكيان. والجدير بالذكر أن هناك معضلة تسعى حماس مع المحور القطري التركي لمحاولة تجاوزه وهو اتفاقية أوسلو وإمكانية إيجاد صيغة بديلة لها بحيث يتم وضعها بصيغة جديدة وبصبغة دينية ليتم حفظ ماء الوجه الفلسطيني والمحور الإخواني الذي يتبني شعار الدين والفكر الخلافي.
إذن وفي أي حال من الأحوال سواء تم التوافق على الورقة أو في حالة الفشل، سيظل الفلسطينيون بين المطرقة والسنديان طالما بقيت البوصلة السياسية تائهة في بحر التناحر علي السلطة والبرامج السياسية ووقوع الفلسطينيين تحت وطأة التجاذبات والمحاور إذ أن عباس والمحور السعودي المصري وحماس والمحور القطري التركي كل يسعي ليكون صاحب الريادة والكلمة الطولى، ومحور إيراني ثالث ينتظر النتائج كل هذا في غياب استقلالية القرار الفلسطيني واستمرار الانقسام الداخلي.

