باسل الأعرج "المثقف المشتبك " هو ناشط فلسطيني اغتالته قوات الاحتلال الإسرائيلية في السادس من آذار العام الماضي، في ظروف دفعت الشارع الفلسطيني الى اتهام السلطة بالضلوع أو التسبب في قتله، فخلال مشاركة باسل ورفاقه في تظاهرات اختفت آثارهم ، ليعرف لاحقًا أنهم قد اعتقلوا على يد السلطة الفلسطينية، ولكن استشهاد باسل الأعرج سلط الضوء على قضية التنسيق الأمني بشكل أوضح ومدى التعاون واستجابة السلطة لدولة الاحتلال في تتبّع ما يهدّد أمنها، فليس الاحتلال من تمكن من اعتقالهم ولا التحقيق معهم بل السلطة الفلسطينية من أنجزت هذه المهمّة، وبعد أشهر من الاعتقال في سكون السلطة والتحقيق وبعد اضراب المجموعة عن الطعام تم اطلاق سراحهم لتنتظرهم قوات الاحتلال الاسرائيلي، ولكن الباسل قد فر لمدة عام كامل لأنه خير مَن يعرف أن لا سلطةً ولا أمناً ولا احتلالاً يرغب في وجود من يهدد وجودهم، فعاش كالنيص وقاتل كالبرغوث، إلى أن حاصرته قوات الاحتلال فجراً في منزل بمحيط مخيّم قدورة واشتبكت معه لساعتين فأطلقوا قذيفة على المنزل واقتحموه ثم اطلقوا عليه الرصاص عن قرب و بعد تصفيته رفضت قوات الاحتلال تسليم جثمانه مباشرة كالعادة، وانقسمت الآراء حول قضية اغتيال باسل الاعرج واتهم البعض التنسيق الأمني بالمشاركة في قتله خاصة وان مطاردته بدأت فور الافراج عنه من سجون السلطة .
أتوقع أن يشكل باسل مرحله فارقه في التاريخ الفلسطيني في ضل التراجع القيمي والأخلاقي لكثير مِمن يسمون أنفسهم قيادات الشعب العظيم، فهذا الشهيد جسد لنا مفهوم النظرية الثورية التي يتم تفعيلها من خلال الممارسة الفعلية والتطبيق، وبتلك الطريقة شكل باسل تحدي لكل المثقفين والنشطاء الفلسطينيين الموجودين في الساحة الآن، لأنه خرج من إطار التنظير الى الممارسة الفعلية للحياة الثورية.
ان الأيقونة التي حفرها باسل الأعرج في وعينا الفردي والجماعي أحالت الذاكرة لزمنٍ سمعنا به ولم ندركه، زمن البندقية المثقفة والسلاح الواعي عندما كان لزامًا على الفدائي أن ينجز به العديد من المقرّرات الثقافية والفكرية قبل أن يسمح له بامتلاك السلاح، وشكّل نموذج باسل صدمة أرعشت الكثير، فقد هزّ صورة المثقف التقليدي الذي يقول ما لا يفعل فشكل نموذج للإنسان الذي دفع حياته دفاعاً عما كتبه ونظّر له، نموذج المثقف الحقيقي فهو من قال: "يا بتكون مثقف مشتبك يا بلا منّك ومن ثقافتك".
فاغتيال باسل الأعرج يدل على مدى قوة السلاح بيد المثقف، فهو استدعى من سلطات الاحتلال أن تخطط لعملية اغتيال بهذا الشكل بعد اصرارهم على اعتقاله وفشلهم في ذلك. هم لا يريدون وجود باسل بين الجماهير ولا في وسط الشارع، حتى لا يدرك الناس أنّ المثقف المشتبك هو فعلياً تهديد لأمن الاحتلال، وباسل كان أكثر ما يكون بين الجماهير يحركها بحماسه ويبيّن مواقفها بوضوح ضد الظلم وضد الاحتلال. اغتيال باسل هو اثبات من الاحتلال أن أكثر ما يخشون وجوده فينا هو اجتماع الكتاب والسلاح.
لذلك نجد أن قضية باسل ليست فريدة من نوعها، فهي مد تراكمي لسياسات تهدف الى ابعاد الضفة الغربية عن المعادلة الوطنية، فقد صرحت السلطة الفلسطينية انها تعتقل من يحاول أن يشعل أو ينظم لأي ثورة أو انتفاضة وكمثال واضح، قيام السلطة باعتقال منفذي عملية 17 اكتوبر ووجود الباسل الثائر قد يشعل انتفاضة قد تكون السلطة غير معنية بها.
فيما يخص التنسيق الأمني ودوره في كشف الغطاء عن الفلسطينيين فهو أمر مرفوض جملةً وتفصيلا وهو من تبعات اتفاقيه العهر الأوسلوي الذي يجب أن يوقف انسجامًا مع قرارات المجلس المركزي لمنظمه التحرير الوطنية ، الآن وبصرف النظر عن كشف الغطاء حول مكان باسل وعلاقته بالتنسيق الأمني بشكل مباشر أو غير مباشر الا أنها حركات ملعوبه يجب أن تتوقف، فلا يجوز لشعب تحت الاحتلال أن ينسق أمنيًا مع المحتل، فبعد أن قامت الأجهزة الأمنية باعتقاله لعدة أشهر، ربما لفت ذلك انتباه سلطات الاحتلال أن باسل يشكل فرداً لا يجب أبداً أن يتحول لجماعة، فهم رأوا أن انهاء وجوده كمثقف مشتبك واحد سيمنع خلق "مثقفين مشتبكين" كثر، ولكن ما لم يروه أن اغتياله أدى الى لفت نظر الشباب والمثقفين الى فكرة المثقف المشتبك أكثر، وربما تشكل لديهم مشكلة أكبر من وجوده واشتباكه.

