المعرفة التي أدعو الى امتلاكها ووعيها ، هي المعرفة المشغولة بالعلم والاستكشاف المرتكز الى العقل والتجربة ، وتخليص البحث المعرفي من سلطة السلف وقدسية الأفكار، كمدخل لابد منه لتحرير الواقع العربي من حالة التخلف والتبعية والخضوع، وتحرير فكرنا العربي من حالة الجمود والانحطاط ،ذلك ان اعتماد العقل كأداة وحيدة للتحليل ، والعقلانية كمفهوم يستند على المنهج العلمي الجدلي ، سيدفع بفكرنا العربي – ولا أقول عقلنا العربي – صوب الدخول في منظومة المفاهيم العقلانية التي تقوم على أن للعقل دوراً أولياً ومركزياً في تحليل الواقع ، والتحكم في سيرورة حركته ، وهو أمر غير ممكن – كما يقول هيجل – ما لم يصبح الواقع في حد ذاته معقولاً، أو مدركاً، عبر الممارسة العملية في سياق تطبيقنا لقوانين ومقولات الجدل ، التي لا تكمن أهميتها في كونها قوانين لتطور الواقع فحسب وإنما هي أيضاً، قوانين لتطور التفكير والمعرفة. خاصة في عصرنا الراهن، عصر العولمة، الذي تتهاوى فيه كثير من النظم والأفكار والقواعد المعرفية السائدة ،لحساب الثلاثية التالية: مجتمع المعلومات، مجتمع المعرفة كأهم مورد للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية، مجتمع التعلم والذكاء البشري والاصطناعي، فالمعرفة في هذا العصر "هي حصيلة هذا الامتزاج الخفي بين المعلومات والخبرة والمدركات الحسية والقدرة على الحكم ، لتوليد معرفة جديدة قابلة بدورها للتطور والارتقاء. إذن، نحن أمام مفهوم جديد للمعرفة، زاخر بالحركة الصاعدة صوب المستقبل بلا حدود أو معوقات، اعتماداً على ثورة المعلومات والاتصالات وعلوم الكمبيوتر والتكنترون، والميكروبيولوجي، والهندسة الوراثية، الى جانب العلوم الحديثة في اللغة، والاجتماع، والانثروبولوجيا والتاريخ والجغرافيا البشرية والاقتصاد ، بحيث أصبح مفهوم المعرفة المعاصر شاملاً لكل العلوم الطبيعية والإنسانية في علاقة عضوية لا انفصام فيها من ناحية، ومحصوراً في كوكبنا - إلى حد بعيد - في بلدان المركز الرأسمالي القادرة وحدها على إنتاج وتصدير العلوم والمعارف من ناحية أخرى بحيث بات من غير الممكن تطبيق هذا المفهوم على أوضاعنا العربية وبلدان الجنوب أو العالم الثالث عموماً دون امتلاك جزءاً هاما من مقوماته والتفاعل مع معطياته ، واستخدام آلياته وقواعده ، كمدخل وحيد لجسر الهوة المعرفية النوعية والواسعة بيننا وبين تلك البلدان ، آخذين بعين الاعتبار ان المعرفة والتغيير العملي هما جانبان مشروطان ، يتوقف كل منهما على الآخر بشكل تبادلي لعملية تاريخية واحدة ، فالتفكير وحده – على أهميته وضرورته – لا يخلق إلا الأفكار الذاتية ، ولا يمكن حل هذه الإشكالية إلا بالممارسة الاجتماعية ، التي هي شرط التفكير وبلوغ الحقيقة الموضوعية( النسبية دوما ) كهدف أساس من أهداف المعرفة لا يمكن بلوغه في واقعنا العربي – علاوة على التشخيص و التحليل و استخدام البيانات والمعلومات الدالة - الا عبر امتلاكنا لرؤى ومفاهيم حداثية ، تنويرية عقلانية علمانية ديمقراطية وغير ملتبسة ، وبرامج واضحة لتجاوز اوضاع التبعية والتخلف والاستغلال والاستبداد او الأزمة البنيوية الشاملة في هذا الواقع وتغييره عبر الممارسة، كأساس للمعرفة الإنسانية العربية ومقياساً لصحتها ، وبدون هذا الامتلاك المعرفي يستحيل تحقيق أي خطوة نوعية صوب التحرر والنهوض و الديمقراطية والتنمية المستقلة والتقد .

