في هذا السياق، وأنا أرى كمية قطع الكاوتشوك المشتعل التي لا يعرف عددها ، سرحت مع امنية صغيرة لم تفارقني منذ الأمس " لو كان أبي لا يزال حياً بيننا ليرى ذلك المشهد" اما لماذا، فهي قصة صغيرة من بين آلآف القصص التي عايشناها جميعنا خلال الانتفاضة الأولى التي بدات في العام 1987: كان بيت عائلتي الواقع في مخيم الشابورة برفح يفتح بابه مباشرة على الشارع الرئيس المعروف ب " شارع الهدد " وكان الشارع مسرحاً مباشراً ويومياً للمواجهات مع قوات الجيش وحرس الحدود ، وكانت - بجانب الحجارة - عملية إشعال الإطارات للإحتجاج وكنوع من الحواجز لتعيق ملاحقة الجنود للشبان في أزقة المخيم، وفي كل مرة كان يعزز الجيش قواته ويتمكن من الاقتحام كان أصحاب البيوت المطلة على هذا الشارع يتعرضون إلى ما يشبه الانتقام بأن يجبرهم الجنود على الخروج من منازلهم ليقوموا بعملية إطفاء الإطارات وإزالتها وكنس الشارع ، وظل أبي -المتقدم في السن - في كل مرة من بين من يجبروا على الخروج ليقوموا بهذه العملية ، تحت تهديد السلاح ، وفي إحدى المرات ساعده جندي في حمل حواجز مشتعلة وسط دهشتنا كلنا ، إلى أن رأينا كيف يدخلها إلى داخل البيت ويضعها فوق الفراش.
تمنيت أن يكون أبي ليرى كل هذا الإطارات المشتعلة ولم يتمكن جندي واحد أو ألف على إجبار أحد على إطفائها أو تحريكها من مكانها حتي انتهت ، وأدت مهمتها.
ربما قياساً ليس في محله ، ولكن مجرد ذكرى وجزء مما أصابني بالأمس!

