Menu

هل سيذهب ترامب إلى الحرب: هذه هي دروس التاريخ وكلماته المفتاحية

بوابة الهدف/ أحمد.م.جابر

لا يكاد يمر يوم دون أن يتحدث دونالد ترامب عن الحرب، ويبدو أنه يريدها بشدة، ولديه العديد من المشجعين الذين يقدحون جمر عيونهم ويسنون أسنانهم لحروب لن يخوضوها كما هو حال بنيامين نتنياهو، وعلى الأكثر سيدفعون من أجلها كما هو حال ابن سلمان.

يثرثر دونالد ترامب عن الحرب ويجهز هيئة أركانه يطيح بمن يعتقد أنهم معتدلين، ويأتي بالمتطرفين وصناع الكراهية والتهور العنصري الموسوم بالعدمية السياسية المطلقة، وأصبحت فكرة الحرب هي ما يتغذى عليه المجتمع الأمريكي بتغريدات ترامب وتصريحات مساعديه سواء استساغها هذا المجتمع أم لا، فما يحدث إنه يتجرعها تدريجيا ليصل ذات يوم ولن يتساءل أبدا عما يحدث هناك، وسيجد نفسه منخرطا دون أن يشعر في المجهود الحربي.

هل الولايات المتحدة على طريق الحرب إذا؟ مما لاشك فيه ازدياد  عدد الأشخاص المقتنعين بهذا، والذين سيردون بالإيجاب على هذا السؤال، خصوصا بعد أن طرد ترامب كبار مساعديه "العقلاء" من الإدارة، وجلب بدلا منهم الصقور العدائيين المتحمسين لشن الغارات، مثل مايك بومبيو وجون بولتون بحيث لم يبق في الإدارة سوى وزير الدفاع جيمس ماتيس "كصوت عاقل وحيد" كما يذهب روبرت وورث في مقال كتبه في نيويورك تايمز الأحد الماضي،  ويرز احتمال الحرب خصوصا ضد إيران أو كوريا الشمالية أو كليهما معا وربما بعض الدول الأخرى أيضا، وبالتالي يبحث ستيفن.م. والت  أستاذ العلوم السياسية عن المدى الذي يجب أن يذهب فيه المرء في توتره إزاء هذه الحرب التي يتوقعها البعض ويريدها البعض الأقل وتخافها الأكثرية، ويضع مقياسا حول ندى القدرة على معرفة ما إذا كان ترامب جادا فعلا بشأن الحرب.

يقول والت في مقالته في مجلة السياسة الخارجية، أن من البديهي أن نتذكر أن  القادة لا يبدؤون الحروب التي يعتقدون أنها ستكون طويلة ومكلفة وقد تنتهي بالهزيمة، وطبعا الكثير من الحروب تنتهي بهذه الطريقة، ونعلم أن الرأي العام الأمريكي لم ينس بعد تكاليف حرب فيتنام، ناهك عن الشكوك حول نتائج الحرب على صربيا، وكذلك الوضع الغامض الذي وصلت إليه الأمور في العراق، أما أفغانستان، فيبدو أنها تبقى لغزا غير قابل للحل من قبل الأمريكيين في إدارات ثلاث متعاقبة.

يرى والت أن هؤلاء القادة يخدعون أنفسهم في التفكير بأن الحرب ستكون سريعة وحاسمة ورخيصة وناجحة، وفي الحقيقة إضافة لما يقوله، فإنهم يقومون بتسويقها للرأي العام على هذا الأساس وبالتالي يكونون في المرحلة الأولى قادرين على تجنيده بقوة وكثافة ولكن النشوة كما يعلمنا التاريخ سرعان ما تنتهي.

حول هذه الأوهام يذكر والت بأنه في الحرب العالمية الأولى أو قبلها تحديدا،  اعتقد قادة ألمانيا أن خطة شليفن ستسمح لهم بهزيمة فرنسا وروسيا في غضون شهرين ، هتلر نفسه ظن ذلك في الحرب الثانية، واخترع ما يمكن القول أنه "الحرب الخاطفة: منظما آلته النازية على هذا الافتراض، نعلم الآن طبعا أن هذا الاختراع لم يتجاوز حدود "المفهوم النظري" فلا الحرب كانت خاطفة، ولا القوات التي بنيت على هذا الأساس حققت أ] شيء في النهاية ببساطة لأن الأمور لم تكن تجري بمثل هذه السرعة.

يمكن لممحص في تاريخ تلك الحرب طبعا أن يرى أنه لولا تدخل العديد من العوامل لكانت فعلا حربا خاطفة، ينهيها هتلر بسرعة، محققا "مجاله الحيوي" وباسطا جناحي نسره الإمبراطوري على أوربا.

لم يكن يتصور أن تعلن عليه بريطانيا الحرب ثم أن مغامرته ستعتبر تحرشا بالاتحاد السوفييتي، وصولا إلى دخول الولايات المتحدة للحرب والتي للمصادفة الغريبة ربما دخلت إليها- كسبب مباشر- بسبب اعتقاد اليابان، حليفة هتلر أنها بالهجوم على بيرل هاربر في معركة هجومية خاطفة، ستدمر معنويات الولايات المتحدة وتمنعها من المضي قدما في الحرب، وغاب عن اليابان أن رهانها هذا خاسر حتى قبل شن الهجوم لأن عوامل متعددة ليس أبرزها رغبة الولايات المتحدة في مساندة حلفائها كانت تغلي تحت السطح دافعة باتجاه قرار الحرب، وهكذا فحرب اليابان "الخاطفة" لم تفعل شيئا سوى أن وفرت الذريعة المناسبة لتعبئة الرأي العام الأمريكي وإنهاء الانقسام حول الحرب وخوضها. بالمثل، كان الرئيس صدام حسين يعتقد أن لا أحد سيهتم باحتلاله الكويت ، واعتقد جورج بوش وبولتون حينها أن حرب العراق ستكون سهلة ورحلة صيد في الصحراء.

"إسرائيل" ظنت ذلك أيضا في معظم حروبها وعلى وجه الخصوص حملتها عام 1982 في عدوانها الخاطف السريع الذي أوصلها إلى بيروت، والنتائج صارت جزءا من دروس التاريخ على كل حال.

يذكر والت في مقاله أن الكونغرس تخلى عن دوره الدستوري في إعلان الحرب منذ وقت طويل، ونعرف الآن أن هناك معركة في الكونغرس من أجل استرجاع حيازة هذا الحق، وقد فعل الكونغرس الأمريكي ذلك بالسابق في ظل وجود قناعة معينة بأن رئيسا لن يقدم على استخدام القوة على نطاق واسع ( لا نتحدث هنا عن غارات الدرون أو العمليات الخاصة) مادام لا يثق بأن الرأي العام متحمس لحربه بل يسعى كل رئيس أمريكي لتلقيم الفكرة تدريجيا للرأي العام.

والسؤال الذي يطرحه والت، أنه إذا كان ترامب وفريقه يتطلعون لشن الحرب فكيف سيقومون بتسويقها للرأي العام؟ وهو يطرح في مقاله خمس حجج رئيسية يتسلح بها التيار الصقري في سعيه إلى تبرير الحرب.

الخطر الوشيك:

وهذه الفكرة التي يناقشها والت هي الافتراض الرئيسي وراء الحرب الوقائية، لأنها بما أنها –الحرب- آتية لاريب فيها، فمن الأفضل "أن نكون مبادرين" ونضع الأمور حيث نريد ولمصلحتنا،. وهكذا دخلت ألمانيا الحرب في عام 1914 لأنها كانت تعتقد (بشكل غير صحيح) أن القوة الروسية سوف تتفوق عليها في وقت قريب ، وقد هاجمت إدارة بوش العراق لأنها اعتقدت أن صدام كان راغبا  في الحصول على أسلحة الدمار الشامل وأن الوضع سيكون غير محتمل. إذا تمكن من ذلك. وبناء على ذلك، فإن أي شخص يسعى إلى شن حرب سيحاول إقناع الجمهور بأن الولايات المتحدة تواجه العديد من الاتجاهات السلبية وأن موقفها المتدهور لا يمكن عكسه إلا من خلال العمل العسكري. الدرس، والكلمات المفتاحية لهذه الحجة –الخطر الوشيك- نجدها بكثرة مثل : "الفجوات" في الاتفاق النووي مع إيران، أو "الخطوط الحمراء" ولنتذكر معا الرسمة التي رفعها نتنياهو في الأمم المتحدة بالخصوص القنبلة الإيرانية،  أو "نقاط اللاعودة"  عندما يسخن المفاعل النووي، وهي كانت حجة الكيان الصهيوني الوقتية في قصف مفاعل تموز ودير الزور، أو "الوقت ينفد" ، وهو ما يعني أن الولايات المتحدة يجب أن تتصرف قبل فوات الأوان. وهكذا فإن قدرات كوريا الشمالية النووية والباليستية لا يمكن التسامح معها، ناهيك عن "الإمبراطورية الفارسية" التي يجب هزيمتها الآن بل أن يصبح ذلك غير ممكن.

طبعا لا يوجد أي دليل على أن قدرات كوريا الشمالية ستتحول إلى عدوانية، ولا يمكن فهم تطورها إلا في سياق الدفاع عن النفس من قبل بلد محاصر منذ نشأته بعد حرب عدوانية دامية، قسمته إلى اثنين، ثم لماذا يكون الردع النووي ناجحا مع دول أخرى وفاشل مع كوريا، ببساطة لأن الدول الأخرى أوربية غربية بما فيها روسيا وأكثر قدرة على "التحكم بالعواطف" من الشرقيين، أما الهند وباكستان فكلاهما خضعا للشروط الأمريكية مبكر في قدراتهما النووي، لحد –ربما على الأرجح- إدارة التحكم بها، والصين أقوى من أن تفرض عليها الولايات المتحدة شروطها، لماذا إذا إيران وكوريا؟  و يذكر والت، صف المستشار الألماني أوتو فون بسمارك الحرب الوقائية بـ "الانتحار خوفا من الموت".

حرب سهلة ورخيصة

هذه هي الحجة الثانية التي يتم تسويق الحرب عبرها للرأي العام، ولكنها ستكون بهذه المواصفات "إذا تصرفنا الآن"، من الناحية العملية، يعني هذا إقناع الناس بأن التكاليف بالنسبة للولايات المتحدة ستكون ضئيلة، ومخاطر التصعيد يمكن السيطرة عليها، والنتيجة المحتملة سهلة التنبؤ.

الكلمات المفتاحية هنا هي: "خيارات محدودة" أو "إدماء الأنف" كما يفعل متقاتلان في الشارع، أو "ضربة جوية" و "هجمات دقيقة" دون أضرار جانبية، ولكن كيف يمكن لهؤلاء أن يعتقدوا أن هذه الإجراءات لن تقود الطرف الثاني للرد بقوة، بينما هو أصلا لم يكن يريد الحرب، وفي بيرل هاربر عبرة تاريخية على كل حال.

إذا لم يحدث ذلك ، أي لم يرتدع الخصوم، وقرروا رفع لواء التحدي، فإن الصقور الساعين إلى الحرب سيقومون ببساطة بإعادة تدوير المبررات والأقاويل،  بغض النظر عن عدد المرات التي تذهب فيها الولايات المتحدة إلى الحرب أو تستخدم القوة - وقد فعلت الكثير في العقدين الأخيرين - فإنها لا تكفي أبداً. لا يبدو أن التأثيرات الإيجابية للنشاط تستمر لأكثر من بضعة أشهر - على الأقل حسب الصقور - وقريباً يقولون للأميركيين أن عليهم أن يفجروا شيئاً مرة أخرى حتى يعرف الآخرون أنهم يستطيعون ويقدرون.

الحجة الثالثة: صياغة الوعي عن العدو

هنا يبتكر الساعون إلى الحرب منظومة متكاملة لتحديد العدو، الشيطنة والاتهام بالتخلف والتهور والسعي إلى الشر، "أسوأ من هتلر" هكذا وصف محمد بن سلمان أحد أفضل عملاء واشنطن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، على سبيل المثال، ترامب لا يتردد في التهجم على خصومه ووصفهم بأبشع الأوصاف.

يقول والت أنه إذا كنت ترغب في قيادة بلد ما إلى الحرب، لا تنس أن تقوم بشيطنة خصمك. يقول والت،  وبناءً عليه، يبذل الصقور قصارى جهدهم لتصوير المعارضين على أنهم تجسيد للشر وإقناع الجمهور بأن العدو بغيض من الناحية الأخلاقية وأنه عدواني بشكل غير قابل للتغيير. بعد كل شيء، إذا قامت حكومة أجنبية ببعض الأمور السيئة، وإذا لم يتغير عداءها لأميركا أبداً، فإن الحل الوحيد على المدى الطويل هو التخلص منها. وكما قال نائب الرئيس السابق ديك تشيني: "نحن لا نتفاوض مع الشر. وهناك  استكمال لهذه الحجة، كما يطرح والت، مفادها الادعاء بأن خصوم أميركا هم معتدون متعصبون لا عقلانيين ولا يمكن ردعهم من خلال قوتهم العسكرية المتفوقة ، وترسانة ضخمة من الأسلحة النووية المتطورة ، ولكن عندما يلائمهم ، يميل الصقور أيضا إلى تصوير العدو على أنه ذكي وذو معنى ، لجعل استخدام القوة يبدو أمنا.

 يصف والت الوضع كالتالي "ويقال إن زعيمًا مثل كيم جونغ أون غير عقلاني تمامًا للردع ، ولهذا السبب يجب على الولايات المتحدة أن تتعقبه. لكن الصقور يؤكدون أيضًا أنه إذا قررت أمريكا مهاجمة البنية التحتية النووية لكوريا الشمالية ، فسيكون من الممكن في الواقع ردعها عن الانتقام من حلفاء الولايات المتحدة أو ضد الولايات المتحدة نفسها. أولئك الذين يفضلون مهاجمة إيران يستخدمون حججاً مماثلة: من المفترض أن يكون قادة إيران متعصبين غير عقلانيين لا يمكن ردعهم إذا حصلوا على أسلحة نووية ، لكنهم أيضاً أذكياء ومعقولون بما فيه الكفاية للجلوس بهدوء بينما تقوم القوات الجوية الأمريكية بحملة قصف مدمرة لبلدهم".

هل يمكن إيجاد تناقض أكبر من هذا؟ في الواقع هي وصفة للإذلال، عليك أن تبقى جالسا وصامتا بينما أضربك، الغربي المتقدم الحضاري، يقوم بتأديب الشرقي المتمرد البربري، هكذا ببساطة، تذكرت فجأة الآن الضابط اللبناني الذي كان يقدم الشاي للمحتلين في عدوان 2006، هل كان عقلانيا بما فيه الكفاية أم ذليلا؟

ستحل الحرب جميع مشاكلنا (أو على الأقل معظمها).

وعادة ما يعد المدافعون عن الحرب بأن النصر سيحل الكثير من المشاكل في وقت واحد. وكما افترض صدام حسين أن احتلال الكويت سيحل جملة من مشاكله دون دفع أي ضريبة، كذلك اعتقد  بوش والمحافظين الجدد أن إسقاط صدام سيقضي على معتدٍ محتمل ، وأن يرسلوا رسالة إلى أعداء محتملين آخرين ، ويستعيدوا مصداقية الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر، وبدأوا عملية ديمقراطية في الشرق الأوسط من شأنها أن تخفف في النهاية من خطر "الإرهاب الإسلامي".

السلام غير وطني.

خلال حرب فيتنام ، اتهم ليندون جونسون وريتشارد نيكسون النشطاء المناهضين للحرب بتقديم المساعدة والدعم للعدو، أيام مكارثي كان عليك أن تكون أمريكيا مثل مكارثي شخصيا لتتجنب كمواطن أمريكي اتهامك بدعم العدو الأمريكي،  ومن المؤكد أن الإدارة المتلهفة لبيع الحرب لا بد من أن تصور  أولئك الذين يعارضونها على أنهم ضعفاء ، وساذجين ، أو غير ملتزمين بما يكفي بأمن الولايات المتحدة.

في تحليله لسلوك الإدارة الأمريكية، يرى والت، أنه  إذا قررت هذه الإدارة أنها تريد أن تشن حربًا، فإنها ستفعل كل ما في وسعها لتخويف أو تهميش المتشككين. والطريقة الأكثر موثوقية للقيام بذلك هي طمس وطينتهم ​​، على أمل أن ينسى الجميع مدى الضرر الذي أحدثه الصقور المتهورون في السنوات الأخيرة.

ويرى والت أن هناك مشكلة أخرى، هي أن  الإدارة التي لم تكن راغبة في الدخول في حرب قد تستمر في التصرف كما لو أنها ستحارب فعلا،  على أمل إقناع الطرف الآخر بتقديم تنازلات. لكن هذه مناورة خطرة، إما لأنه يمكن استدعاء الخداع أو لأنه يمكنك البدء في تصديق الدعاية الخاصة بك.

يرى والت أنه إذا كان على ترامب أن يختار حربا فالأرجح أن يحدث هذا في إيران أو ضد إيران، لسببين. أولاً، تمتلك كوريا الشمالية بالفعل أسلحة نووية، ولا تملك إيران أي أسلحة نووية، لذا فإن مخاطر الحرب مع إيران أقل بشكل غير محدود. ثانياً ، حتى الحرب التقليدية البحتة في شبه الجزيرة الكورية ستجعل كوريا الجنوبية ، اليابان ، الصين وآخرين متوترين جداً. وعلى النقيض من ذلك ، "فإن عملاء أميركا في الشرق الأوسط سيتعرضون للدهشة إذا ما استسلم ترامب لتضليلهم وهاجم إيران نيابة عنهم. إذا كان ترامب حريصًا على صرف انتباه الناس عن مشاكله الأخرى ، أو مصممًا على التعويض عن تلك الأيدي الصغيرة من حربه ، فإن الحرب مع إيران أكثر منطقية من الحرب مع كوريا الشمالية".

يعتقد والت أن الحرب لن تقوم في النهاية لا مع إيران ولا مع كوريا الشمالية، لأن الولايات المتحدة ليس لديها الكثير لتكسبه والكثير لتخسره من خلال شن حرب أخرى. والأمر لا يحتاج عبقرية خاصة لإثبات ذلك، ولكن ربما كما يقول والت يبالغ المرء في تقدير عقلانية وذكاء ترامب وجماعته، وعلمنا التاريخ على العموم أن القادة يميلون لاتخاذ أسوأ القرارات وأكثرها هياجا.