Menu

لم يَعد الغربُ والصهيونيةُ مرعِبان، هكذا قال الشارع السوري البسيط

وليد عبد الرحيم

من الطبيعي أن مفردات وتفاصيل سيكولوجيا المهزوم تُنتج ردودَ أفعال فورية ذات علاقة بتراكمية الإحباط والهزيمة المتكررة أمام الآخر، كما أنه من الطبيعي الاستنتاج أن العرب جميعاً– أعني الشعوب- تشربوا تلك المفردات الإطلاقية المحسومة نتيجتها سلفاً لسنوات طويلة خَلتْ، حتى باتت مقولة المواجهة مع الآخر- العدو تبدو كنوع من التملق أو الرغبات الحُلمية على أحسن تقدير، وصار الحديث عن مواجهة الغرب أو الكيان الصهيوني في حالات كثيرة مثيراً لسخرية "الواقعيين" والبسطاء في آن معاً، بل ومحرجاً أحياناًمن جهة أخرى لدعاة المواجهة والتصدي والمقاومة.

ليست هذه المقالة كتلك المقولات التي تتحدث عن النصر في أوج الهزيمة، وهي النزعة التي وُلدت عربياً بامتياز مع نكبة فلسطين 1948  وشبَّت وترعرعت مع نكبة 1967 التي لطَّفتها اللغةُ السلطوية ذاتُها – لغة المهزوم المكابر- بابتكار تعبير " النكسة"، وهو المصطلح الذي روجته الأنظمة الوطنية المهزومة، وتشربتهُحتى المقاومة الفلسطينية.

الحديث هنا يجري في منحى آخر، وإن كان غير منفصل مُطلقاً في عمقه- بقدر ارتباطه بحركة المجتمع والتاريخ، وعلى الأرجح المستقبل القريب والبعيد، وإن كان متصلاً بالسياسة ومناحي الصراع ذاتها، وهو يتجلى هذه المرة في آلية تعاطي وتعبيرات الناس العاديين، أثناء الضربة الإمبريالية الثلاثية على سوريا التي سيُعرِّفها العالم على ما يبدو بالعدوان الثلاثي على سوريا- استمراراً لتسمية العدوان الثلاثي على استقلالية مصر-، فهذا العدوان في منحاه ليس على الدولة أو النظام السياسي بل على مكونات وتاريخ ومستقبل البلد، هكذا فهم " العاديون هذا العدوان" مدركين بأن أهدافه ليست تحقيقاًلعدالة أو رد على هجوم كيميائي، بل إن الهدف هو تحسين وضع هذه القوى في الخارطة السياسية السورية القادمة، وبهذا تفوقت قناعات الناس العاديين على ما تم سماعه من تحليلات سياسية ومحللين فصحاء من كافة الأطراف!

ففي الساعة الرابعة فجراً من يوم السبت الرابع عشر من نيسان استيقظ سكان العاصمة دمشق على أصوات قوية وكتل لاهبة تتطاير في السماء، كان الجميع على موعد مع ذلك بفعل تهديدات سابقة في مجلس الأمن، وكان الخوف والتخوف، بل الهلع مسيطراً قبلها بعدة أيام، يتجلى في المتابعة الحثيثة لجلسات متعاقبة ومشادات في مجلس الأمن، حيث كنتَ تلحظ ذلك في شوارع دمشق التي تشتهر عادة بازدحام لا يطاق، لقد كانت شبه خاوية قبيل الضربة بأيام، أما في لحظة بدء الهجوم فقد بات الأمر مختلفاًن بل مناقضاً تماماً، فقد خرج العشرات إلى أسطح المنازل، وكاتب هذه المقالة واحد منهم، على الرغم من الخطر والخطأ منطقياً في فعل ذلك، وكانت وزارة الدفاع قد دعت المواطنين للنزول إلى الملاجئ لحظة سماع صافرات الإنذار التي أُطلقت فعلاً مع بدء الهجوم، لكن اللافت أن أحداً لم ينزل إلى الملاجئ وعلى خطأ ذلك من حيث ضمانات السلامة إلا أنه كان معبراً عن احتقارٍ عميقٍ ولا مبالاة بغطرسة القوة، لقد تلاشى الخوف فعلاً مع إطلاق أول صاروخ!.

عشرات الصواريخ الضخمة الذكية أُطلقت من البوارج الحربية والطائرات، وعشرات مثلها اعتراضية أُطلقت بالمقابلمن جبال دمشق تجاه الصواريخ المُغيرة وشوهد العديد منها بأم العين وهي تتلاشى في الأجواءمصدرة دوياً هائلاً يُفترض أن يثر الرعب، لكنه أثار المزيد من السخط وثلةً جديدة من التفكر في ما يجري!

نزل البعضُ إلى الشارع، أناسٌ عاديون تماماً، بعضهم يحبون الحكومة وآخرون لا يطيقونها، موالون ومنتقدون، وبلهجات مناطقية مختلفة، وكان لسان حال الجميع يحمل مفردات التحدي وردع العدوان والسعادة بصدِّه، وبعضهم يرفع يديه نحو السماء مبتهلاً لاكتمال فشله، كبار وصغار، نساء وأطفال، هكذا بلا أي تنظيم مسبق من أية جهة خرجوا للتعبير عن تمسكهم ليس ببناء هنا أو مطار هناك بقدر خوفهم على كرامة وطنهم، وهكذا كانت التعبيرات متشابهة من قبل الجميع.

من الطبيعي أن يقول قائل بأن الشعب السوري تمرس خلال السنوات السبع الماضية بتلقي القذائف والصواريخ، وكان لسكان دمشق نصيب كثير منها، لكن قذائف المعارضة لم تكن في أقصى ثقلها تُقارن بجزء من هذه الصواريخ.

ردود الفعل الشعبية الموحدة هذه هي أكثر ما لفت نظري شخصياً، لما تحمله من تعبيرات في فهم حقيقة ومفردات هذا الصراع التي تطورت كثيراً في السنوات السابقة، ولهذا برز السخط الكبير على العديد من رموز المعارضة الذين هللوا للعدوان والعدو، وكان وصفهم متراوحاً بين وصفهم بالخيانة وبيع الذات أو الغباء والحقد على الوطن كله لا على السلطة السياسية فيه، وهو أمر يشكل بدء منظومة وعي شعبية عالية، تتلخص في الفارق بين أن تعارض وبين أن تعمل لصالح العدو، أن تواجه سلطة أو أن تدمر بلداً ودولة ومؤسساتها، أن تنظر إلى وطن أو تبيع هذا الوطن لقاء وعود من لا يملكه بكرسي الحكم، وهو الفارق أيضاً من ناحية ما بين النضالي الراقي والانتقامي الأعمى!.

في المحصلة فإن ما يُشاهد هنا من حراك فعلي ونظري وطني وسياسي إنما يعبر عن تطور كبير في رؤية الجموع غير المنتمية للأحزاب غالباً أو التي لديها مصلحة في ظل هذا الطرف أو ذاك، هذا التطور ينحى منحىً وطنياً مستفيداً من مشاهدات وتجربة وخلاصات التدمير الكبير الذي حل بالبلاد خلال السنوات العجاف الأخيرة، كما هو مستفيد من التجربة المرة التي جسدت نفسها على الأرض بعمليات الاشتباك والتهجير والاعتقال والخطف وانعدام الأمن وعدد الشهداء والجرحى والمفقودين الكبير بشكل لا يحتمله منطق.

أستحضر هنا الوعي الأوروبي الذي انبثق عالياً بُعيد الحرب العالمية الثانية، حيث نهضت كل شعوب أوروبا لبناء ذاتها وتحقيق قفزات في كافة المجالات القانونية والمدنية والمؤسساتية وتم استبعاد السلطة الدينية عن جسد الدولة ووضع دساتير حضارية تتناسب مع رغبة الانطلاق من جديد، وكانت مقدماتها تحمل في طياتها رفض الحرب والحرص في الوقت ذاته على صيانة الوطن وتحديد مفاهيم الهوية والمواطنة للانطلاق مجدداً، وهو ما شكل نجاحاً باهراً في غالب المجالات، ولا أزعم هنا بأن هذا قد تحقق حتى الآن، لكن تجربة سوريا وليبيا و مصر واليمن وتونس يفترض أن تدفع كل عربي من موقعه لقراءة التجربة السابقة التي تعمقت أكثر مما ينبغي لتصل إلى قرن كامل من الزمن ساد فيها الخطاب المهزوم الفج لا القراءة المنهجية، وطغى تنميق الهزيمة بمفردات الانتصار المكابرة التي تُعمى عن الواقع و تجتر الماضي ولا تكترث للمستقبل.

ينبغي بالضبط إعادة قراءة كل شيء دفعة واحدة، فقد حرص الغرب والصهاينة وعملاؤهما على أن نتقوَّل لا أن نفكر جدياً، وسيطرت خلال سنوات طويلة اللامبالاة بمفاهيم منعة الوطن وتطوير مؤسساتنا ودولنا، لكن الآن يمكن أن يستشرف المرء بعد تجربة النضال الفلسطيني واللبناني، وحروب دولنا وجيوشنا، والتجربة المرة في العديد من دولنا مؤخراً بأن حاجز الترهل والخضوع السيكولوجي المنظم قد بدأ بالتحطم،إن ما أعنيه هنا بالضبط أن البعبع السيكولوجي الصهيوني والغربي ومؤثراته المدروسة جيداً قدتعرّى من عباءته التقليدية، هذا ما تستشعره الشعوب بعد كل هذه المرارة.