Menu

يدعون ملكية الماضي: تقرير عن السياسة الاثارية الاحتلالية في الضفة الغربية

برج مشاهدة بناه الاحتلال في هربة سيلون

بوابة الهدف/متابعة خاصة

لطالما كانت المعركة على القصة التاريخية جزءا من الحرب على فلسطين، في السعي الاستعماري الصهيوني لحيازتها، ليس في الحاضر فقط، بل في الماضي أيضا، عبر محاولات يائسة لترسيخ وجود مصطنع متخيل يمتد في فلسطين أكثر من ألفي سنة وهو ما فشلت فيه قطعيا وباعتراف المؤسسة الآثارية الاحتلالية، التي أكدت إنها لم تعثر على دليل مادي واحد سواء عن الوجود اليهودي الدولتي في فلسطين، أو حتى عن الملوك المؤسسين المزعومين.

ولما كان من المستغرب والجنوني الادعاء بوجد تاريخي ليس له أي أثر مادي، فقد عكفت المؤسسة الصهيونية على تزوير الوقائع وافتعال السياقات وانتهاج منهجية ربط خاطئ بين الوقائع والآثار، ما تعترض عليه الهيئات العلمية العالمية ولا تقره، وفي هذا السياق يأتي العمل الدؤوب لسلطات الاحتلال للسيطرة والاستحواذ على المواقع الأثرية في الضفة الغربية.

ولمناقشة هذه القضية يأتي تقرير منظمتي  "يش دين: يوجد قانون ـ منظمة متطوعين لحقوق الإنسان الفلسطيني في المناطق الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، ومنظمة "عيمق شافيه" - منظّمة ناشطة من أجل حقوق الثقافة والتراث وبهدف الحفاظ على المواقع الأثرية كممتلكات عامة تابعة لكل المجتمعات والشعوب، تحت عنوان " يدعون ملكية الماضي: استخدامات إسرائيل للمواقع والحفريات الأثرية في الضفة الغربية".

وشمل التقرير المفصل الذي يبحث في السياسات الصهيونية تجاه الأثار والمواقع الأثرية الفلسطينية على مقدمة وست فصول توزعت على 28 صفحة.

جاء في المقدمة أن هذا التقرير المشترك هو نتاج عمل 4 سنوات من الجهد الميداني، لتوثيق الممارسات "الإسرائيلية" في هذا الموضوع، وكيف تؤدي إلى حرمان الفلسطينيين من أرضهم وموروثه، وتخلص إلى أن التقرير يعرض سياسة الآثار التي تنتهجها "إسرائيل" والمس بحقوق الفلسطينيين نتيجة لذلك.

يذكر التقرير في الفصل الأول الذي جاء بعنوان "الآثار في منطقة محتلة – خلفية قانونية" أن القانون الدولي يحظر أي مساس مقصود بثروات ثقافية ومواقع ذات أهمية تاريخية أثرية، في إطار أي صراع مسلح، ويعرض الفصل الإطار القانوني الذي يسري على الضفة الغربية، مع التركيز بشكل خاص على نصوص وأحكام القانون الدولي بشأن المسموح والمحظور في عمل قوة الاحتلال في كل ما يتعلق بالأثريات، مواقعها وموجوداتها، في المنطقة الخاضعة للاحتلال، علاوة على ما تفرضه هذه القوانين من واجبات وتقييدات على إسرائيل وكل من يعمل باسمها ونيابة عنها في مجال الأثريات في الضفة الغربية.

يعرض التقرير أيضا واقع الاتفاقية الانتقالية بين "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية، للعام 1993، إثر اتفاق أوسلو، والتي تنص في ملحقها الثالث  على أن المناطق التي يتم فيها نقل المسؤولية المدنية إلى السلطة الفلسطينية (أ وب) يتم فيها أيضا نقل سلطات الحاكم العسكري والإدارة المدنية، بينما تبقى المناطق ج  وهي أكثر من 62% من مساحة الضفة بيد الحاكم العسكري والإدارة المدنية والسيطرة الأمنية الصهيونية، وقد نص الملحق على أن يقدم الاحتلال قائمة تفصيلية بكل المواقع والحيازات الأثرية التي تم اكتشافها والتعامل معها منذ 1967، ولكن المنظمتين تؤكدان أن هذه القائمة لم تقدم قط. مع العلم أن "إسرائيل" وثقت نشاطها الأثري وتدير سجلا منفصلا لهذا النشاط في الأراضي المحتلة عام 1967.

في الفصل الثاني بعنوان " ضابط الآثار: خلفية لإدارة الآثار في الضفة الغربية" يتبين أنه تم تعيين ضابط آثار في الإدارة المدنية مهمته أن يكون المسؤول المباشر عن مجال الأثريات من قبل الإدارة المدنية، ممثلا مباشرا للقائد العسكري، منذ توقيع الاتفاقيات المرحلية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية سنة 1995.

ويشرح هذا الفصل كيف أن هذا الضابط هو المتحكم النهائي بكل تفاصيل عمليات البحث والتنقيب والإعلان عنها، فغالبية التراخيص لعمليات الحفر تقدم للضابط نفسه، وهو أيضا الجهة التي تنفذ معظم الحفريات، بواسطة علماء آثار يشغلهم بنفسه، وينشر النتائج بشكل انتقائي عبر قسم الإعلانات الذي يترأسه هو شخصيا أيضا.

في الفصل الثالث الذي جاء بعنوان "الآثار كوسيلة للسيطرة على الأراضي الفلسطينية" يحلل التقرير  طرق استخدام الأركيولوجيا كأداة لتعميق السيطرة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية المحتلة ولتوسيع المشروع الاستيطاني، من خلال نهب موارد الفلسطينيين وثرواتهم  ومن خلال خرق أحكام القانون الدولي في هذا المجال

ويبرز هذا في سياقات مختلفة أبرزها  ضم مواقع أثرية إلى مناطق نفوذ المستوطنات، وهذا يعني منع دخول الفلسطينيين إليها إن هذا ممنوع أصلا بأمر عسكري، كونها ضمن نطاق المستوطنات، وهذا يعني مصادرة هذه المواقع من أيدي الفلسطينيين كأفراد وجمهور وسلبهم مواقع هامة ذات معان تاريخية وثقافية ورمزية، واجتماعية ودينية كذلك، وهو تجسيد مادي لإنكار وحذف الارتباط بين الشعب الفلسطيني وهذه المواقع.

في الفصل الرابع الذي جاء بعنوان" لمن تتبه هذه الآثار؟ الآثار كأداة للسيطرة على السردية" يفصل التقرير الوسائل التي تعتمدها "إسرائيل" في استغلال الأركيولوجيا لتكريس روايتها بشأن الرابطة بين الشعب اليهودي والضفة الغربية، من خلال توكيد وإبراز التراث اليهودي في مواقع أثرية مختلفة وأسبقيته على موجودات أثرية من عصور وثقافات أخرى. كما يبين هذا الفصل، أيضا، الأساليب الإسرائيلية في الاستئثار بالثروات الأركيولوجية في الضفة الغربية، من خلال المس بمكانتها كثروات أركيولوجية ـ حضارية تعود لأبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية ومن خلال المس بحقوق الفلسطينيين هناك، السياسية والثقافية.

الفصل الخامس يعالج "حالة دراسية" تتمثل في الموقع التاريخي ـ الأثري في خربة سيلون (تل شيلو) الواقع في أراضي قرية قريوت الفلسطينية، وهو الموقع الذي حددته سلطات الاحتلال الإسرائيلي وقيادات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية بكونه "الموقع السياحي الرائد في المشروع الاستيطاني". وتجسد هذه الحالة الاختبارية "عصارة التقرير كله: ابتداء من وضع اليد على أراضي الموقع والاستيلاء عليها، ثم طرد أصحابها الفلسطينيين الذين كانوا يسكنون هناك ويعتاشون على فلاحة أراضيهم، ثم نقل المسؤولية عن إدارته إلى هيئات تابعة للمستوطنين تقرر المضامين المعروضة فيه بما يتلاءم مع منظورها الاستيطاني ويخدم رؤيتها، وانتهاء بتطويره كموقع سياحي وتجاري متميز، من خلال المس غير القابل للإصلاح بالموقع الأثري وبالموجودات الأثرية التي يحتوي عليها".

ويرى التقرير أنه بواسطة السيطرة على جميع جوانب علم الآثار، تستحوذ "إسرائيل" على جميع الكنوز الأثرية، التي يتم الكشف عنها في الضفة الغربية، وتجندها لتغذية روايتها الخاصة ودحض الرواية الفلسطينية.