ونحن نراقب جلسات المجلس الوطني في دورته العادية الثالثة والعشرين، وما رافقها من صخبٍ وهرج، وتهليلٍ وتطبيلٍ، وهمزٍ ولمز، واستحسانٍ واستهجان وتشهيرٍ وتخوين، لا زلتُ أشعر ببعض الراحة وبشيء من الطمأنينة، بأن المجلس ومنذ اللّحظة الأولى لانعقاده، أعلن أنّ المجال لا زال مفتوحًا أمام أولئك الذين قرروا عدم المشاركة، وهذا على الأقل ما جاء على لسان الرئيس حين قال "وطنيووون وحدويووون"، وهذا من حسن حظ المتردّدون، المتخاذلون، بل المتآمرون والذين يأمل الرئيس وجوقته من المُطبّلين منهم أن يعودوا إلى رشدهم كشرطٍ من أجل قبول عودتهم، وإعادتهم إلى بيت الطاعة.
ورغم أنّ معظم المتحدثين قد أشاروا إلى أنّ هذه الدورة تأتي استجابةً لضروراتٍ وطنيّة لا يمكن تأجيلها، وتتعلّق بالحفاظ على منظمة التحرير المهددة بفقدان شرعيتها، فإنّ أيٍ منهم لم يُشِر إلى الجهة التي تتحمل المسؤولية عن تهميش دورها، وتراجع مكانتها، لتتحول إلى مجرد بندٍ في موازنة السلطة، التي تغوّلت عليها واستحوذت على مكانتها.
ولسنا نشكك أو نقلل من أهمية ومكانة المنظمة بوصفها بيتًا معنويًا ووطنيًا لكل الفلسطينيين، وفي جميع أماكن تواجدهم، وهي رمزٌ للكيانية والهوية الفلسطينيّتين، ولسنا ضد الحفاظ على المنظمة وتطوير أدواتها وتجديد هياكلها حتى نتمكّن من مواجهة التحديات والمخاطر التي تواجه قضيتها؛ لكنّنا أردناه مجلسًا توحيديًا يضع حدًا لحالة التشرذم والانقسام والفرقة، ويُنهي فصلًا مأساويًا كاد يعصفُ ولا زال يُهدّد كل الإنجازات التي راكمها شعبنا، على مدار السنوات النضالية الماضية، وما بذله خلالها من تضحياتٍ جسام، أردناه مجلسًا يستندُ إلى التفاهمات والاتفاقات التي حدثت في القاهرة 2005 و 2011، ومخرجات اللجنة التحضيرية في بيروت يناير 2017، أردناه مجلسًا يضعُ حدًا للتفرد بالقرار الوطني، ويُلزم من هم في موقع القرار باحترام القرارات الصادرة عن مؤسسات المنظمة، أردناه مجلسًا يُعبّر عن كافة شرائح وتجمعات شعبنا في جميع أماكن تواجدهم وليس مجلسًا يتم اختيار أعضائِه وفقًا لمزاج ورأي الحاكم بأمر الله، ومن يدور في فلكه ويهتف باسمه، أردناه مجلسًا يُجرّم ويضع حدًا، بل ويحاسب من تجرّأ على تجويع ومحاصرة أهلنا في غزّة، أردناه مجلسًا يُحاكم من حوّل عشرات الآلاف من أبناء ونساء غزّة إلى متسولين في الطرقات والأسواق وأبواب المساجد، أردناه مجلسًا يقصي المجرمين الذين حرّضوا على غزّة ولا زالوا، بذريعة الضغط على حماس لإجبارها على تسليم الأمور لحكومة التوافق، بعد أن ترفع الراية معلنةً رضوخها لكافة الشروط المعلنة وغير المعلنة، والمعروفة والتي ستتفتّق عنها عقلية المحيطين بالرئيس، فنحنُ أبناء منظمة التحرير الأوفياء لتاريخنا المدافعين عنها في وجه أعدائها ووجه قُطّاع الطرق الذين تسلّلوا إليها بهدف احتوائها والسيطرة عليها، كخطوةٍ على طريق إفراغها من مضمونها ومحتواها الثوري، ورغم أنّ التهديد والوعيد ظلّ مصاحبًا ومستمرًا طوال جلسات المجلس، وحتى اللحظات الأخيرة لأهل غزّة وللممسكين بمقاليد الحكم فيها، لكنّ صوت الشرفاء وضميرهم الحي أبى إلّا أن ينتصر للمقبورين والمظلومين في غزّة، انتصر صوت الضمير على صوت العنصرية والحقد الدفين، انتصر الثوار على صوت التجّار والسماسرة، ليتم الاعلان فجأةً ومن قِبَل من؟ من قبل رئيس السلطة، بأنه سيتم الشروع في صرف رواتب الموظفين ابتداءً من السبت، يا سبحان الله! يا مغير الأحوال! ارحمنا يا رحيم، لقد قرّر فجأةً أنّ العقوبات المفروضة على غزة منذ شهور طويلة، تعود لخللٍ فني، وليست عقوبات كما يروج أولاد الـ...!
أكثر ما يستفز المرء أحيانًا، هو أن يتم الاستخفاف بعقولنا والتلاعب بمشاعرنا، وأتساءل: هل توجد ضمانة بأنه تم فعلًا معالجة الخلل الفني بين عشيةٍ وضحاها، هل قام عباقرة الرئيس بالتغلّب أخيرًا على فايروس الكذب والخداع الذي تغلغل عميقًا ليصلَ ليس فقط إلى حواسيب وزارة المالية ومجلس الوزراء، بل امتد ليصل إلى ضمير ووجدان من لا ضمير له.
أقول إنّ ما قبل جلسات المجلس الوطني ليس كما بعدها. ولأنه لا يمكنك عبور النهر مرتين، كما قال أحد الحكماء، أقول لمن قاطع جلسات المجلس الوطني، بصرف النظر عن الاعتبارات التي دفعتهم إلى اتخاذ هذا الموقف، والتي أعلنوا عنها من خلال تصريحات ومؤتمرات صحفية عديدة، بأنّ الواجب الوطني والأخلاقي يفرض عليكم أن تثأروا لكرامة نساء ورجال وشباب وشيوخ غزّة، الذين ولدوا وعاشوا وماتوا فقراء، لكنهم حافظوا على شرفهم وكرامتهم، وحين حاول البعض إيصالهم إلى درجة العوز آثروا الموت منتصبي القامات مرفوعي الهامات، برصاص الاحتلال من خلال زحفهم ومشاركاتهم في مسيرات العودة، التي سخر منها وقلل من أهميتها المثبّطين والمحبطين ومن اعتقدوا في لحظة أنهم يمتلكون الحقيقة، وأن الوطنية حكرٌ لهم ولهم فقط.
اسعوا جاهدين من أجل المصالحة ولا تغلقوا بابًا ولا تفوتوا فرصة، واستحضروا مصلحة الوطن والشعب، قدموا كل ما يمكن من تنازلاتٍ من أجل إنجاز المصالحة، لكن لا تحاوروا من كان سببًا في إفشالها، اهملوه، استبعدوه، وانبذوه، فمن سوّلت له نفسه أن يجوّع أبناء غزّة ويحاصرهم ليس جديرًا بشرف الحديث عن المصالحة مجددًا، لأنه سيعمل مجددًا على إفشال أية جهود من أجل الوصول لها، وإلا سينطبق عليكم ما قاله أحد الحكماء يومًا، بأنه يمكننا أن نصنف فرشاة الأسنان من بين الثدييات، لكن ذلك لا يمكن أن يمنحها غددًا لإفراز الحليب.

