Menu

مفارقات حكومة نتنياهو الداخلية والخارجية

حلمي موسى

تعيش الحكومة الإسرائيلية الجديدة مفارقة شديدة لا تعرف كيف تتعامل معها. وتكمن المفارقة في واقع أن كل المفكرين الاستراتيجيين في الدولة العبرية يؤمنون أن الوضع الراهن هو الأفضل في تاريخها لجهة غياب المخاطر الاستراتيجية من الدول العربية. فقد تفككت جيوش هذه الدول وليس هناك في الأفق ما يدل على مؤشرات حول خلق أخطار أشد في المستقبل القريب. ومع ذلك فإن خطر ما يسمى بالجهاد العالمي والذي يتفاقم مع تفكك الدول والمجتمعات العربية ليس بالوسع التكهن حاليا بحجمه مستقبلا. ولذلك فإن غياب خطر معلوم يوفر للكثيرين في إسرائيل فرصة لتجاهل ما يمكن أن يكون خطرا مجهولا لاحقا.

لكن هذا ليس أكثر من جانب من الصورة والمعادلة. وتكفي قراءة سريعة لتوجهات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لمعرفة ما صار يعتبره خطرا وجوديا. فالاستخفاف الذي كانت تتعامل به إسرائيل مع ظاهرة مقاطعتها اقتصاديا وأكاديميا اختفى لتحل مكانه تقديرات ترى في هذه الظاهرة «خطرا وجوديا» يستدعي المواجهة الشاملة له. وجاء إعلان شركة «أورانج» عن سحب استثماراتها في قطاع شبكات الهاتف الخلوي في إسرائيل ليقفز بهذا الخطر درجات إلى الأعلى. كما أن حث الاتحاد الأوروبي على تشديد الإجراءات بشأن وضع علامات مميزة على المنتجات الإسرائيلية من داخل المستوطنات في الضفة الغربية و القدس الشرقية صار يظهر أن الموقف الأوروبي ليس مجرد ضريبة كلامية. وانضمام اتحاد طلبة بريطانيا إلى حملة مقاطعة إسرائيل بيّن أن المقاطعة لن تقف عند حد وأنها في تصاعد مستمر.

المشكلة الكبرى التي تواجه حكومة نتنياهو هي أن التركيز على المقاطعة وإثارة الأمر إعلاميا عبر اتهام القائمين عليها باللاسامية ومعاداة إسرائيل لم تضعف الحملة وإنما خدمتها. فهي من ناحية فاقمت الإحساس بالعزلة داخل إسرائيل والخوف من حصار لاحق خصوصا مع تزايد الاتهامات لإسرائيل بممارسة الفصل العنصري. وهي من ناحية أخرى شجعت دعاة المقاطعة على الذهاب أبعد بعد أن لاحظوا أن إسرائيل صارت تتعامل معها على أنها خطر وجودي.

ومن المؤكد أن كل الحديث عن المقاطعة ما كان ليهم إسرائيل كثيرا لولا أنها تستشعر أن دول العالم ضجرت من طأطأة الرأس أمام إسرائيل في الشأن الفلسطيني وصارت تميل إلى إيجاد حل عبر المحافل الدولية. وما مشروع القرار الفرنسي في مجلس الأمن الدولي إلا مجرد أحد تعابير هذا الضجر. فدول العالم، بمن فيها دول الاتحاد الأوروبي، صارت تستشعر أن الوساطة الأميركية لم تؤت أكلها ولذلك لا بد من تدويل الأزمة. والمشكلة الأكبر في نظر إسرائيل أن إدارة أوباما، على الأقل، يمكن أن لا تتصدى للخطوات الأوروبية كما سبق وألمح الرئيس أوباما نفسه في مقابلة مع القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي مؤخرا.

وبديهي أن كل ما يجري على هذا الصعيد يتم في ظل تدهور الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة واحتمال انفجار الموقف سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة. وربما لهذا السبب تكثر الأحاديث هذه الأيام عن وجوب السعي لمنح الفلسطينيين هامشا للتنفيس عن أنفسهم سواء في الضفة من خلال تسهيل الحركة على المعابر أو في غزة من خلال الحديث عن تسهيل إعادة الإعمار. وربما أن إطلاقات الصواريخ من غزة على اسدود وعسقلان والنقب في الأسبوعين الأخيرين جاء ليثبت أن الحديث عن مخاطر انفجار الموقف له ما يسنده على الأرض.

وفي كل حال لا تقف المفارقة عند هذه الحدود بل تتخطاها لتصل إلى الحكومة الإسرائيلية ذاتها وسبل تعاطيها مع الواقع. فحكومة تستند إلى أغلبية صوت واحد في الكنيست هي حكومة تتسم بالهشاشة عموما. لكن هذه الهشاشة تزداد خطرا حينما تكون المكونات على هذا القدر من التضاد والتنافس. والأمر لا يتعلق فقط بالليكود الذي يعيش صراعات داخلية حامية الوطيس لم تنته باستقالة وزير ولا بتهديد وزير آخر بالاستقالة وإنما تصل إلى العلاقات بين الليكود والبيت اليهودي. والمنافسة بين هذين الحزبين في الانتخابات وبعدها خلفت جروحا يصعب الشفاء منها على الأقل في وقت قصير.

كما أن الحزب الذي يشكل الشريك الأكبر لليكود في الحكومة الحالية، حزب «كلنا» بزعامة موشي كحلون يجد نفسه في تضاد شديد مع الوعود التي قطعها نتنياهو للأحزاب الشريكة في الائتلاف. ولأن مشروع كحلون وحزبه اقتصادي فإن التصادم بين مطالب الأحزاب ووزارة المالية برئاسة كحلون أعمق مما يبدو ظاهريا.

وإذا كان هذا هو الوضع في كل ما يتعلق بالسياسة الداخلية للحكومة الحالية فإن الوضع أصعب إزاء السياسة الخارجية. فنظرة العالم إلى حكومة نتنياهو الرابعة هي نظرة إلى حكومة تتحمل ذنب عدم حدوث تقدم وعدم إمكانية حدوث تقدم في العملية السلمية. وعلى سبيل المثال فإن وزيرة الخارجية فعلا، وهي نائب وزير الخارجية رسميا، تسيبي حوتبولي هي في نظر الكثيرين أسوأ حتى من وزير الخارجية السابق أفيغدور ليبرمان. وإذا كان الوضع الدولي صعبا على حكومة نتنياهو الثالثة حينما كان فيها قوى وتيارات مثل «هناك مستقبل» برئاسة يائير لبيد و «الحركة» برئاسة تسيبي ليفني فإن هذا الوضع أكثر صعوبة الآن.

من الواضح أن نتنياهو يحاول إشغال الإسرائيليين بكل ما يبعدهم عن ملاحظة الأخطار الداهمة المقتربة. هكذا خف الحديث مؤخرا عن الخطر النووي الإيراني مع اقتراب الجميع من نهاية شهر حزيران، الموعد المقرر للاتفاق، وزاد الحديث عن مخاطر المقاطعة الدولية واحتمالات الحرب في المنطقة.

 

نقلاً عن: السفير