في تضييق جديد وفي سعي لإغلاق كافة منافذ "العدالة" والتماس القانون، على محدوديتها تحت سيطرة الاحتلال الصهيوني صادق الكنيست اليوم بالقراءة الأولى على قانون جديد يهدف لحرمان الفلسطينيين من الوصول إلى المحكمة العليا في التماسات وقضايا ضد الاستيطان أو ممارسات الجيش وسلطات الاحتلال، وفي نفس الوقت يجبر الفلسطينيين على الالتماس أمام المحكمة المركزية في القدس بما يساوي الضم القضائي بالنسبة لهم ونزع أولويتهم أصحاب شرعيين للأرض تحت الاحتلال لصالح المستوطنين الغزاة.
وكانت اللجنة الوزارية لشؤون التشريع في حكومة الاحتلال قد وافقت يوم الأحد على مشروع القانون الذي يدور الحديث حوله منذ زمن وهو يأتي أيضا في إطار سعي اليمين الصهيوني لإحكام قبضته على الفضاء القضائي في دولة الاحتلال.
وفي الوقت الذي تزعم فيه وزيرة "العدل " الصهيونية أيليت شاكيد بأنها تريد منع تسييس القضايا في شؤون معينة، فإن الحديث يدور أصلا عن المستوطنات العشوائية والاستيلاء على أراضي الفلسطينيين، ومنعهم من الالتماس لدى المحكمة العليا وهي خطوة سياسية تندرج ضمن السياسات الداعمة للاستيطان في حكومة العدو. وليست بعيدة عن هدف ضم الضفة الغربية وتتوافق تماما مع المشاريع المطروحة في هذا الإطار.
الهدف الجوهري من القانون الذي يقف وراءه الائتلاف اليميني وخصوصا لوبي الاستيطان القوي في حكومة العدو، هو حماية المستوطنين في استيلائهم على الأراضي الفلسطينية وإحالة التماسات الفلسطينيين إلى المحاكم المركزية المتواطئة أصلا مع المستوطنين. خصوصا أن من ستحول إليها الالتماسات الفلسطينية هي قاضية متواطئة مع الاستيطان وعملت سابقا فيما يسمى لجنة "تسوية البؤر الاستيطانية" وهي مقربة من الفاشية أيليت شاكيد.
وينص القانون على أن على الفلسطيني المتضرر التوجه أولا إلى محكمة منطقة القدس ومكتب المدعي العام في المدينة بدلا من المحكمة العليا التي تتعامل مع تلك الالتماسات.
ويهدف القانون إلى نزع مزيد من الصلاحيات من يد المحكمة العليا إلى محكمة الشؤون الإدارية، بما في ذلك التماسات حرية المعلومات، والالتماسات ضد قرارات الدخول إلى "إسرائيل" ومغادرتها، وسماع الأوامر الزجرية.
كما تعتزم شاكيد إصدار أمر بنقل سلطات إضافية من المحكمة العليا إلى المحاكم الإدارية، بما في ذلك إدارة السكان، وقانون العودة، واللجان الإنسانية للدخول إلى "إسرائيل"، وتخصيص الأراضي من قبل سلطة "أراضي إسرائيل". وبالإضافة إلى ذلك، تعمل شاكيد على إنشاء محاكم للسلم للمسائل الإدارية للمرة الأولى منذ سن قانون المحاكم الإدارية قبل 18 عامًا.
وكتبت شاكيد عبر صفحتها على فيسبوك أن مشروع القانون يعني أنه سيمنع الفلسطينيين والمنظمات اليسارية الممولة أجنبيا بالتوجه للمحكمة العليا مباشرة. زاعمة إلى أنها تهدف من ذلك تخفيف العبء عن المحكمة العليا، في حين أن المحكمة الإدارية بالقدس سيكون لها القدرة على دراسة الحقائق بشكل مخالف عن المحكمة العليا.
وتسعى شاكيد من خلال ذلك إلى تحقيق ثلاثة أهداف من مشروع القانون، الأول يشمل دمج مستوطنات الضفة، و"نهاية التمييز" بين المستوطنين في الضفة ونظرائهم في الداخل، والغاية الأخرى بشأن النزاعات على الأراضي في المحاكم المدنية والجنائية، وثالثاً تخفيف العبء عن المحكمة العليا التي تنظر في نحو 2000 التماس كل سنة يقدمها فلسطينيون ضد البناء بشكل غير قانوني في المستوطنات.
كما تعمل شاكيد على تحويل معالجة الالتماسات إلى النيابة العامة في القدس، بدلا من المحكمة العليا التي تعالج ذلك اليوم. وسيكون للعليا صلاحية التداول في الالتماسات فقط في حال الاعتراض على قرارات المحكمة المركزية.
وبحسب شاكيد، التي تعمل على استكمال مسودة اقتراح القانون، فإن "نقل الصلاحيات من المحكمة العليا إلى المحاكم للشؤون الإدارية تهدف لتحقيق ثلاثة أهداف: الأول تسوية الأوضاع (تحويلها إلى طبيعية) في الضفة الغربية المحتلة بمعنى شرعنة الاستيطان بشكل كامل ومفتوح، والثاني وقف التمييز المتبع ضد المستوطنين الذين لا يحظون، كباقي المواطنين الإسرائيليين، بالتداول في الصراعات على الأراضي في محاكم الصلح والمحاكم المركزية في إجراءات مدنية وجنائية عادية"؛
أما الهدف الثالث، بحسب شاكيد، فهو أن اقتراح القانون يخفف من الضغوط على المحكمة العليا، التي تعالج اليوم نحو ألفي التماس بهذا الشأن سنويا، بينها المئات التي قدمت من قبل فلسطينيين ضد أوامر الهدم بسبب البناء "غير القانوني"، مضيفة أن على العليا أن ترفض غالبية هذه الالتماسات، كما أن الخطوة التي بادرت إليها ستنقل الضغط إلى هيئات قضائية أدنى.
كما تقترح شاكيد نقل صلاحيات أخرى من المحكمة العليا إلى المحكمة للشؤون الإدارية، وبضمن ذلك التماسات من أجل حرية المعلومات، والتماسات ضد قرارات الدخول والخروج من إسرائيل، والمداولات بشأن أوامر تقييد حريات.
وبحسب التقرير، فإن شاكيد تخطط لنشر أمر يهدف إلى نقل صلاحيات أخرى من المحكمة العليا إلى المحاكم الإدارية، بحيث يكون مشروطا بموافقة رئيس العليا، ومصادقة لجنة الدستور في الكنيست، وذلك بداعي تخفيف أكثر من 350 إجراء عن المحكمة العليا، ونقله إلى هيئات قضائية أدنى، وبضمنها قضايا تتصل بالسجل السكاني، وما يسمى "قانون العودة"، واللجان الإنسانية للدخول إلى إسرائيل، وتخصيص أراض من قبل ما تسمى "سلطة أراضي إسرائيل". وتعمل شاكيد أيضا على إقامة محاكم صلح للشؤون الإدارية للمرة الأولى منذ سن قانون المحاكم الإدارية قبل 18 عاما.
الفرق بين عرض الالتماسات على المحكمة العليا والمحاكم المركزية هو أنه بينما تنظر العليا برؤية قضائية واسعة عندما تناقش التماسات تقدم بها فلسطينيون في الصراع على الأراضي، فإن المحاكم المركزية تتداول فقط في الأدلة والشهود، وبينما تفعل العليا رقابة قضائية نابعة من رؤية مبدئية وإستراتيجية تأخذ بالحسبان أبعاد السيطرة "الإسرائيلية" على الضفة الغربية، وتشدد على احترام القانون الدولي، وتصدر قراراتها بناء على قانونية الإجراء والاعتبارات الأمنية وواجب الدولة في حماية حقوق السكان الواقعين تحت الاحتلال، بما في ذلك عدم المس بأملاكهم الخاصة، الأمر الذي أنقذ "إسرائيل" من إجراءات قضائية دولية، لاتهتم المركزية بهذه المبادئ على الإطلاق.
و المحكمة المركزية ستتركز في الأدلة والحقائق انطلاقا من رؤية محلية تقنية وضيقة، ما يعني أنها ستتعامل مع التماسات الفلسطينيين كصراع مدني داخل الخط الأخضر، دون تفعيل أي اعتبارات تأخذ بالحسبان تعقيدات المسألة.

