Menu

الأوطان لا تلبس الحرية وحدها

خـالد جمعـة

مسيرات العودة بغزّة

تأتي الليالي مخموشة من أقمارها، ولا نعرفُ كيف ندبّر أمور صغارنا الذين وثقوا بنا، تألمنا لصورتنا التي اهتزت في طوابير الخبز، وكان هناك من يسرق أفكارنا عن الحرية ويحولها إلى معلّبات سياسية، لم نفهم يوماً غير أن وطناً ضائعاً كان ينادي أولاده، فجن الأولاد وخرجوا حاملين جراحهم وأرواحهم وجوعهم وفقرهم، وماتوا هناك على الحدود بين الحقيقة والإشاعة، ماتوا جائعين كما ورد في سورة التحريم، ماتوا ولم يعد لهم متسع من الوقت كي يقولوا: "اللعنة على كل شيء"، وبقي الأحياء الذين حملوهم على أكتافهم، يقيت شروخ أرواحهم وبعض دمائهم على القمصان البيضاء، واضحة، ولا تحتاج من يعطيها بعدها الفقهي، الناس هنا حزانى، غاضبون، لا يستثمرون في المشهد سوى أرواحهم التي أكلها الانتظار، والأعياد لم تعد تأتي في غير الروزنامة الفقيرة، تأتي مبروزة بلون مبهج، ولا شيء عدا ذلك، إننا نسقط في بئر عميقة من اللاجدوى، هكذا قال مدرس لغة عربية لم يتقاضَ راتبه منذ آخر الخلفاء الأمويين، كل شيء ينهار على رؤوس المصلين وغير المصلين، الوطن شفاف لا لون له، تماماً كما يرسمه طفل بالماء على الرمل، يظهر ولا يظهر، إن لم يكن الوطن في الروح فليس وطناً، علينا فقط أن نحصي من يشعر بالسعادة مقابل هذا المشهد، أن نعرفه جيداً، فربما وقتها اتضحت الصورة ببساطة، وربما ننتظر ألفي عام أخرى لنقول: كان يجب أن نفهم قبل ألفي عام أن الأوطان لا تلبس الحرية وحدها...