الأرقام عن غزّة مرعبة. غزّة تنهار فعليًا وبوتيرة أسرع من السابق. هذه الحقيقة يتكاسل عنها كثيرون، أو ربما جملة "الناس في غزّة جبّارون"، ويتحملون ما لا يتحمله أحد هي أبسط حجّة للتنصّل من عمر غزّة المقضوم يوميًا والقدرة على الفاعلية. التسليم بهذه الجملة هو تسليم بالواقع، وكأنه مهما تعاظم فعل الحصار ووقعه، الناس قادرون على المواجهة والمنافحة. هذه الجملة تُنحّي حقيقة أن المواجهة لم تكن خيارًا، ولم يكن الناس في غزّة يعيشون في بحبوحة، ليمتلكوا أصلًا ترف الاختيار. التحدّي والصمود كانا ضرورين للبقاء؛ للتحصّن في معقل استرّد الكرامة في أطرافه ومن دم أبنائه، نيابةً عن كثيرين.
الأسطرة الزائدة هنا لأهل غزّة، وأنّهم قادرون على ابتلاع الحصى في أعتى الظروف، لا يعنيان سوى اختلاق سبب لتطهير الذات من المسؤولية والتبعات الأخلاقية التي يمكن أن تفتك بها من وراء هذه المسألة. ليست غزّة مهجوسة ببرهنة سلوك ناسها الطبيعي أو بإثبات فرادتها رغمًا عن الواقع وحرفًا عنه. فاتورة قتال غزّة للعدو تُدفع يوميًا من عمر الناس المركونة حساباته في مكاتب السلطة، ومن 13 ألف مصاب بالسرطان يحتاجون تحويلات طبية، ومن مليون ونصف آدمي يعتمدون على المساعدات الإغاثية المنذر بقطعها. القصاص عام ومستمر في غزّة، وثمّة منافسة عليه بالطريقة الأنجع والوتيرة الأسرع؛ قصاص من أولادنا، وغدائهم، ودوائهم، وبناهم التحتية، ومائهم، وبحرهم، وسمائهم حتى.
رحابة القصاص هنا تتجاوز بمسافات ضوئية المعيشة؛ تستهدف الاحتمال المخبوء بداخلنا الذي نعيش من أجله وقوّتنا النفسية، والأهم أنها تصبو للتركيع، والتأليب على المشروع التحرّري ككل، والوصول إلى مرحلة يفقد فيه الإنسان آدميته، والاحتماء بالخلاص الفردي ليس إلّا.
ربما لا أجد توصيفًا مناسبًا لما يحدث اليوم. غزّة في سُلَّم أعلى من الانهيار والفتك، وكما أن المواجهة ومحاولة البقاء لم تكونا خيارًا، فالوصول لهذه المرحلة ليس خيارًا كذلك؛ هو نتيجة طبيعية وقهرية من تراكم الظلم والقصاص ممّن قاتل "إسرائيل". ولا يدفع الثمن أي أحد يندفع نحو أمثلة وأيقنة غزّة، دون أن يشاركها في شيء، بل يعتبر الناس أساطير ليس لها مثيل. حقّ غزّة مشروع، والضغط من أجلها ليس منة، بل هو محاولة الحفاظ على مقاومتها وقوتها وآدميتها وحاضنتها الشعبية. (عروبة عثمان)
#ارفعوا_العقوبات

