لايمكن للفلسطيني أن يحصل على محاكمة عادلة في نظام الاحتلال، وإذا كان هذا النظام حريصا على تشغيل آلة قانونية بيروقراطية رتيبة وكفء من الناحية التقنية، إلا أنها مفرغة كليا من قيم العدل والقانون والأخلاق، هي آلة يتم تشغيلها فقط من أجل إحباط إمكانية وصول الفلسطيني للعدالة.
وهكذا ليس غريبا أن نعرف أن القسم الأعظم من شكاوى الفلسطينيين ضد العنف الذي يتعرضون له من جيش الاحتلال لا يمكن أن تصل إلى أي نتيجة مقبولة، تتوه الشكاوى في مسارات "قانون العدالة الإسرائيلي" المشوه، ثم تعود بطريقها لتعلن أنه لايمكن الحصول على أي مشتبه به، لا يمكن الوصول إلى تحقيق، لا يمكن كتابة سجل اتهام، ولا يمكن أن يحاسب جندي "إسرائيلي" على العنف "الطبيعي" الذي يخوله النظام ممارسته ضد "هؤلاء الغوييم".
ونظام الاحتلال يفضل لو أن هذه الآلة القانونية التي يشغلها غير موجودة أصلا، فأي عدالة للفلسطينيين؟ ولكنه مضطر لها لتعمل كغطاء لمنع المحكمة الجنائية الدولية من التحقيق في جرائم الاحتلال، لأن هذه المحكمة بسبب نظامها المشوه والقاصر ليس لديها المبرر القانوني الدولي للتدخل في ظل وجود نظام قانون محلي يعمل بفاعلية بغض النظر عن إلى أين تصل حدود هذه الفاعلية.
لا يكتفي المحتل بهذا، ولا يتردد نائب وزير الحرب إيلي دهان، وهو يميني متطرف ومستوطن أيضا، من الترويج لمشروع قانون جديد يمنح حصانة للجنود الصهاينة المشتبه في ارتكابهم مخالفات جنائية خلال عمليات عسكرية، يأتي هذا القانون ترويجيا أو لبث دعاية لصالح دهان أكثر من قيمته العملية حيث أن منظمة يش دين أشارت في تقريرها الأخير أن الجنود يتمتعون بالفعل بحصانة كاملة، ويعرفون أنهم لن يتعرضوا للعقاب ليس فقط كونهم محميون من النظام بل لأنهم ينفذون تماما ما يريده منهم النظام، وأي خروج عن النسق، من نوع استهداف مسعفة فلسطينية شابة أو صحفي واضح هو نوع من لهو الجنود المسموح به.
وفقا لمنظمة يش دين، التي أصدرت مؤخرا وثيقة معلومات “ ورقة معطيات: تطبيق القانون على فلسطينيين جنود مشتبه في اعتدائهم على ملخص معطيات 2016"، فإنه ما بين 2011 و 2016 (لم يتم نشر بيانات عام 2017)، فقط 3.4٪ فقط من التحقيقات في الهجمات على الفلسطينيين التي افتتحتها إدارة التحقيقات الجنائية في الجيش الصهيوني انتهت بصدور لوائح اتهام. هذا الرقم يمثل 32 من أصل 948 حالة. وهو رقم لافت للانتباه بالنظر إلى حقيقة أن النيابة العسكرية تقرر قبل ذلك فعليا وبدقة ما هي القضايا التي ستتم محاكمتها. وهذا يعني أن معظم الشكاوى المقدمة من الفلسطينيين لا تؤدي إلى تحقيقات.
حسب التقرير في عام 2016 ، تلقى الادعاء العسكري 302 شكوى من جرائم ارتكبها جنود ضد فلسطينيين أو ممتلكاتهم. أربعون في المائة من هذه الشكاوي كان لها علاقة بالجنود الذين أطلقوا النار على الفلسطينيين، و 34 في المئة تمحورت حول عنف الجندي، وتم تقديم 24 في المئة استجابة لأضرار الممتلكات والنهب. في 220 من تلك الحوادث، قررت النيابة العسكرية فتح تحقيق أو إغلاق القضية. من بين هؤلاء، فقط 46 أدت إلى التحقيقات. وتم إغلاق الحالات المتبقية 174. من بين الحالات التي تم فتحها، أدت نسبة 6.4 في المائة فقط إلى إصدار لوائح اتهام بحلول نهاية الربع الأول من عام 2017. و هن خمس حالات. وكان أكثرها شهرة حالة إيلور آزاريا، الجندي الصهيوني الذي قتل عبد الفتاح الشريف بدم بارد في الخليل بينما كان مصابا ومعتقلا، وبالتأكيد لن يفضي أي نظام جنائي في العالم إلى معرفة السبب الذي جعل هذا المجرم المختل يطلق النار على مصاب يحتضر فعليا وأسير، وها هو القاتل قد عاد إلى الشوارع، بتعاطف كبير من نظام الاحتلال بسياسييه وجنوده وحاخاماته وعاهراته أيضا.
كيف تقرر النيابة العسكرية الصهيونية ما هي القضايا التي سيتم فتحها للتحقيق؟
إذا تعلق الأمر بحوادث قتل فيها جنود فلسطينيون، تقول السياسة الرسمية إن وحدة التحقيقات الجنائية يجب أن تفتح على الفور تحقيقاً "إلا في الحالات التي يكون فيها من الواضح أن الأنشطة التي قتل خلالها الفلسطيني المقيم كانت ذات طبيعة قتالية حقيقية.".
وقد ذكرت منظمة بتسيلم أنه تم قتل 57 فلسطينيا بنيران جنود جيش الاحتلال عام 2016، وفي 79٪ على الأقل من تلك الحوادث، حكمت النيابة العسكرية بأن عمليات القتل وقعت خلال أنشطة "ذات طبيعة قتالية حقيقية". و لا حاجة لفتح تحقيق.
ولكن ما معنى هذا؟ "أنشطة قتال حقيقية"؟ ترى منظمة يش دين أنه مفهوم بالغ الغموض، يؤدي إنفاذ القانون العسكري بطريقة تفرغ سياسة التحقيق من مضمونها وتساهم في "تطبيع قتل الفلسطينيين باعتباره نتيجة تصرفات الجنود في الضفة الغربية ".
النسبة الصغيرة من لوائح الاتهام هذه تأتي من عدد صغير من الحالات التي يتم فيها فتح تحقيق في المقام الأول. وكل هذا من عدد أصغر من الفلسطينيين الذين تقدموا بشكوى (غالباً ما يمتنع الفلسطينيون عن تقديم شكاوى إلى السلطات المحتلة، سواء بسبب قضايا الوصول أو عدم الثقة في النظام القانوني العسكري). ووفقاً لـيش دين، هناك 40 حالة قال فيها الفلسطينيون الذين واجهوا ضررًا جسديًا أو أذى لممتلكاتهم من قبل الجنود للمنظمة أنهم غير مهتمين بتقديم شكوى ضد الجيش.
وكمثال على نظام التحقيق، رصدن يش دين أنه في 77 من الحالات، استغرقت النيابة العسكرية ما معدله 177 يوماً - أكثر من 25 أسبوعاً - من اليوم الذي قدمت فيه الشكوى إلى حين اتخاذ قرار بشأن فتح تحقيق أو عدم فتحه. وقد تأخر رد الادعاء العسكري بشكل خاص في الحالات التي قرر فيها عدم فتح تحقيق، وفي بعض الحالات استغرقت سنة ونصف السنة من تاريخ تقديم الشكوى.
وهذا يعني أن الفلسطينيين الذين وقعوا ضحية لجريمة من قبل الجنود يمكن أن ينتظروا مدة تصل إلى عام ونصف، ليسمع أن النيابة العسكرية قررت عدم التحقيق في شكواه.
نتذكر أنه قبل عامين، أعلنت منظمة بتسيلم أنه وقف التعاون مع النظام القانوني العسكري، بعد أن جاء إلى استنتاج مفاده أن كان هذا التعاون لا قيمة لها فقط، لأنه يخدم في الواقع بمثابة ورقة التوت التي يستغلها الجيش لخلق ما يشبه حكم القانون.

