Menu

أزمة «الأونروا» وحق العودة

عوني صادق

نظرياً، تأسست «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (302) الصادر بتاريخ 8-12-1949، مرتبطاً بقرارها رقم (194) المتعلق بحق العودة وتقرير المصير، على أساس أن لجوءهم سيكون «قضية عابرة» ومؤقتة.

فمن جهة، يدل نص قرار إنشاء الوكالة بهدف«تشغيل» اللاجئين، على أن «القضية» لم تكن في نظر المؤسسين «عابرة». وقد أثبتت الأيام أن الهدف كان «التشغيل من أجل التوطين» وإنهاء حق العودة منذ البداية.

من جهة أخرى، بعد عقود من قيام «إسرائيل» اعترف مؤرخون وجنرالات قادوا معارك 1948، أن «التطهير العرقي» كان سياسة معتمدة لدى القيادة «الإسرائيلية» ومنذ البداية أيضا. وبالتالي لم يكن إنشاء «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» لدوافع «إنسانية» بل كان نهجاً سياسياً مدروساً لتصفية مبكرة للقضية الفلسطينية.

منذ سنوت تثير «إسرائيل» الزوابع في طريق (الأونروا) لإضعافها تمهيداً لإنهاء خدماتها التي تقدمها لحوالي سبعة ملايين لاجئ فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، مرة بحجة أن جيل النكبة قد اختفى وبالتالي لا يوجد إلا أعداد قليلة ربما لا تتجاوز المئات ممن يستحقون وصف (لاجئ)، ومرة بإجراء مقايضة بين اللاجئين الفلسطينيين وبين اليهود الذين غادروا الدول العربية باختيارهم وبتحريض من الوكالة اليهودية والحكومات «الإسرائيلية»، والمستمر حتى اليوم. كل ذلك لأن الحكومات «الإسرائيلية» المتعاقبة اعتبرت وجود (الأونروا) اعترافاً بوجود «مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة». والحقيقة هي أن الدور الذي قامت به (الأونروا)، كان في الأصل ومستمر حتى اليوم لتحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية إلى قضية إنسانية، و«لتمويت» بُعدها السياسي بالتقادم، وتصفيتها في «الوقت المناسب»، بالرغم من أهمية الخدمات (الإنسانية) التي قدمتها للاجئين في هذه السنوات.

كان المطلوب تنفيذ القرار (194) وإعادة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم وتعويضهم لتنتهي وظيفة (الأونروا)، لكن ذلك لم يكن هدف مَن أسسوها وتبرعوا لها بالأموال لتقوم بوظيفتها التآمرية ولتستمر حتى يحين «الوقت المناسب» لإنهاء مهامها وتصفية القضية برمتها.

ومنذ العام 2013 تعاني (الأونروا) عجزاً مالياً يتزايد سنة بعد سنة، وكانت نتيجته تخفيض الخدمات التي تقدمها الوكالة حتى أصبحت مهددة بالتوقف. ولقد اتضح الدور الأمريكي في هذا العجز والتدهور بصورة جلية مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

فمن جهة، خفضت الولايات المتحدة المساهمة المالية التي تقدمها للوكالة (وهي الأكبر بين المساهمات المقدمة) إلى أقل من النصف بناء على طلب رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو.

ومن جهة أخرى، كان القرار الأمريكي بداية بالتجميد لكامل المساهمة، ثم استبدل بالتخفيض إلى أقل من النصف أيضا بناء على طلب من نتنياهو، تجنباً لردود الفعل التي توقعها وليس لأي سبب إنساني بطبيعة الحال. ثم انتقل الموقف الأمريكي إلى العمل من أجل تفكيك (الأونروا) ونقل خدماتها إلى (المفوضية العليا لشؤون اللاجئين)، إضافة إلى استعمالها للضغط على السلطة الفلسطينية للعودة إلى المفاوضات، والقبول بما تعرضه عليها «صفقة القرن» التصفوية، حيث إن هذه «الصفقة» أسقطت حق عودة اللاجئين من حسابها، تمهيداً لتصفية القضية الفلسطينية بالكامل.

ويوجد في الساحة الفلسطينية من يدافع عن (الأونروا) وعن بقائها واستمرارها لسببين: 1) تأثير توقف خدماتها، أو حتى تراجعها، على حياة 75% من اللاجئين الفلسطينيين الذين تقدم لهم خدماتها و2) لأنهم يرون أن بقاءها فيه رمزية لبقاء «حق العودة». وفي كل من السببين جزء من الحقيقة، لكن المحاولات الجارية لإضعاف، ثم لإنهاء عمل الوكالة تدل على أن (المانحين وعلى رأسهم الولايات المتحدة) كان لهم ولا يزال هدف ثابت من وجود الوكالة أصلاً، ومن ثم استمرارها، هدف لم يكن له علاقة بالسببين المذكورين، بل كان له علاقة وثيقة بعجزهم عن تصفية القضية ودون أن يفكروا يوماً بحل عادل لها.

ومما لا شك فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية ستواصل جهودها للضغط على كل من يعنيهم الأمر لتحقيق هذا الهدف. ولا بد من التذكير بأن الجهة التي تحدد عمل ومهام وبقاء (الأونروا) هي الجهة التي أنشأتها وهي الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث لا سيطرة لأمريكا عليها ولكن يمكنها أن تحقق هدفها. وكما نجحت أمريكا في إسقاط قرار اعتبار ( الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية) في أوائل التسعينات، يمكن لها أن تنجح في إنهاء وجود وعمل (الأونروا) ما لم ينجح الفلسطينيون في إفشال الجهود الأمريكية و«الإسرائيلية»، أي ما لم ينجحوا في إفشال «صفقة القرن» التصفوية. والسبيل الوحيد أمام الفلسطينيين لتحقيق ذلك هو تصعيد مقاومتهم المسلحة والسلمية، ورفض كل الضغوط التي تمارس عليهم، والتمسك بحقهم في العودة وتقرير المصير.