تناقش هذه المقالة، لديانا جونستون، كيف تغير وسائل الإعلام الغربية المركزية الحقائق حول قمة هلسنكي، وتبين جنون الاعتقاد الغربي الأوربي بأنهم سيكونون ضحايا أي اتفاق بين القوتين الأعظم، وفي الحقيقة إن الخاسر الأساسي هو الفلسطينيون والإيرانيون، كما تناقش تلاعب المؤسسة الغربية بالحقائق في ادعاءات التدخل الروسي، في الانتخابات الأمريكي، حيث تتصرف هذه المؤسسات بشكل مفارق للعقلانية، وبروح القطيع تحت مخاوف أن الروس هم من انتخبوا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتكشف مدى التزييف والتلاعب المتبادل بالجمهور لإقناعه بأن هناك طيب وشرير في السياسة الأمريكية.
تقول الكاتبة أنه على مدى العامين الماضيين، سعت مجموعة نفوذ خاصة لتفسير خسارتها للسلطة، ومن الواضح أن هذه المجموعة تخص هيلاري كلينتون، وبالتالي خسارتها للرئاسة عبر خلق أسطورة التدخل الروسي المنافية للعقل، إذ أنه من الممكن القول بسهولة أن الولايات المتحدة زورت الانتخابات في هندوراس، أو صربيا، أو حتى أوكرانيا، ولكن الولايات المتحدة كبيرة جدا ونظامها معقد بحيث لايمكن إسقاطه تحت وابل من الرسائل الإلكترونية التي لا يقرؤها معظم الناخبين، ولو كان الأمر ممكنا فليس من المحق القول أن روسيا حاولت تدمير تلك "الديمقراطية" على ما يزعم جماعة كلينتون بل إن تلك الديمقراطية كانت محكومة أصلا بمجموعة من الأموات، الجاهزون دائما للنهوض من موتهم بواسطة تغريدة.
تقول الكاتبة حتى لو كان هناك –دون أدلة- أن جيشا روسيا، وربما أسوأ سمعة من "الجيش الإسرائيلي" نفسه، حاصر وسائل الإعلام الاجتماعية بوشايات ضد "الفقيرة البريئة" هيلاري كلينتون، فهناك أشياء أكبر في هذا المجال، وهناك ممارسات مستمرة في انتخابات 2016 بعضها من ترامب وبعضها من هيلاري، وهيلاري نفسها لم تتردد في تشويه سمعة ملايين الأمريكيين زاعمة أنه تم تحريكهم من قبل روسيا لانتخاب ترامب، فقط لأنهم لن يوافقوا على برنامجها.
ترى الكاتبة أن الروس لم يستطيعوا فعل أي شيء لبناء الدعم لترامب، وليس هناك أي دليل على أنهم حاولوا، أو فعلوا أي شيء لإيذاء هيلاري فقد كان الكثير قد صدر عنها أصلا: فضيحة البريد الإلكتروني ومقتل معمر القذافي ودعوتها للحظر الجوي على سوريا، قد وبالتالي لاشيء يخترعه الروس وقصة خادم الانترنت المفقود الخاص باللجنة الوطنية الديمقراطية، التي تركز عليها اتهامات كلينتون، ربما تجعل الجميع ينسون أشياء أسوأ بكثير.
بالتدقيق فإن فضيحة خادم DNC على Debbie Wasserman Schultz لم يركز على هيلاري نفسها بل على القرصنة الروسية وهذا كان مجرد عملية إلهاء عن الاتهامات الأكثر خطورة التي تتعرض لها هيلاري. وفي أسوأ الأحوال، "الروس" متهمون بالكشف عن بعض الحقائق البسيطة نسبيا المتعلقة بحملة هيلاري كلينتون. " ولكن هل هذا يكفي لإنشاء موجة من الاتهامات بـ"الخيانة" عندما كان ترامب يفعل ما قال انه سيفعله أثناء قيامه بحملته الانتخابية، في محاولة لتطبيع العلاقات مع روسيا.
هذا الصراخ لا يأتي فقط من التيار الرئيسي الولايات المتحدة، ولكن أيضا من تلك النخبة الأوروبية التي تم تطبيعها لسبعين عاما كما الحيوانات الأليفة كلاب ألمانية أو ويلزية قصيرة القامة في حديقة حيوانات أمريكية ومن فحص مكثف لـ "التعاون" بين الجمعيات الأطلسية العابرة الولايات المتحدة فقد أسسوا حياتهم المهنية على وهم مشاركة الإمبراطورية العالمية من خلال إتباع الولايات المتحدة، نزوات في الشرق الأوسط وتحويل مهمة قواتها المسلحة من الدفاع إلى وحدات التدخل الأجنبية التابعة لحلف الناتو تحت حكم الولايات المتحدة. وهم الآن يشعرون بالذعر من فكرة تركهم لوحدهم، هذا هو وضع النخب الغربية الآن.
فدونالد ترامب لديه القدرة على التعبير بشكل خاص، و التنقل من خلال المفردات المتكررة وما قاله في مؤتمره الصحفي في هلسنكي كان صادقا ويمكن القوا شجاعا، قال إنه رفض بشكل صحيح تماما تأييد "النتائج" الصادرة وكالات الاستخبارات الأميركية، مع العلم أن نفس الوكالات هي التي زعمت طوال 14 عاما أن العراق كان يملك سلاحا للدمار الشامل.
ولكن بالنسبة لوسائل الإعلام الرئيسية، فإن "القصة" في قمة هلسنكي، بل القصة الوحيدة، كانت ردة فعل ترامب على الاتهامات الموجهة للتدخل الروسي في "ديمقراطيتنا"، هل انتخب بفضل المتسللين الروس ؟ وكانوا يريدون مجرد إجابة من نعم أو لا، ليكتبوا تقاريرهم.
هذه الحملة المجنونة على "القرصنة الروسية" في وسائل الإعلام السائدة لا تتطرق لأي من القضايا الحقيقية في القمة. ولكن يمكن إيجاد تفسير ذكي لاستراتيجية ترامب بأنه يحاول استمالة روسيا بعيدا عن الصين، في إصدار عكسي لاستراتيجية كيسنجر منذ أربعين عاما لجذب الصين بعيدا عن روسيا، وبالتالي تجنب التحالف القاري ضد الولايات المتحدة. قد لا ينجح هذا الأمر لأن الولايات المتحدة أثبتت أنها غير جديرة بالثقة إلى درجة أن من غير المرجح أن يتخلى الروس الحذرين عن تحالفهم مع الصين بسبب الأوهام. ولكن من المنطقي تماماً توضيح سياسة ترامب، خلافاً للحاضنة التي كنا نسمعها من أعضاء مجلس الشيوخ والمتحدثين على شبكة CNN.حيث يبدو أن هؤلاء الناس ليس لديهم أي فكرة عن ماهية الدبلوماسية، و لا يمكنهم تصور الاتفاقات التي ستكون مفيدة للجانبين. لا ، يجب أن تكون لعبة صفرية ، يأخذ الفائز كل شيء. إذا فازوا، نخسر، والعكس بالعكس. وليس لديهم أي فكرة عن الضرر الذي يلحق بكلا الجانبين إذا لم يتفقوا. ليس لديهم مشروع ولا استراتيجية. فقط أكره ترامب.
ويمكن تصور أن بوتين يتعرض للنقد الداخلي أيضا لأنه فشل بإغضاب ترامب بالحديث عن الانتهاكات الأمريكية لحقوق الإنسان في غوانتانامو، وهجمات الطائرات بدون طيار القاتلة ضد المواطنين العزل في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وتدمير ليبيا في انتهاك لتفويض الأمم المتحدة، والتدخل في الانتخابات في بلدان لا تعد ولا تحصى من قبل "المنظمات غير الحكومية" التي تمولها الحكومة (المركز الوطني الديمقراطية)، والتجسس الإلكتروني في جميع أنحاء العالم، وغزو العراق وأفغانستان، ناهيك عن أكثر السجناء في العالم والمذابح العادية لأطفال المدارس. لكن الدبلوماسيين الروس يعرفون كيف يكونوا مهذبين.
مع ذلك، إذا قام ترامب بالفعل بـ “صفقة"، فقد يكون هناك خاسرون - لا الولايات المتحدة. ولا روسيا ولكن أطراف ثالثة. عندما تتوصل قوتين عظيمتين إلى اتفاق، غالباً ما يكون ذلك على حساب شخص آخر، ويخشى الأوروبيون الغربيون أن يكونوا هم هذا الطرف الثالث، لكن مثل هذه المخاوف لا أساس لها من الصحة، إذ إن كل رغبات بوتين هي علاقات طبيعية مع الغرب، وهو أمر لا يمكن طرحه كثيراً.
ولكن في مواجهة الخوف الأوربي المرضي وغير المبرر من اتفاق بين ترامب وبوتين فإنه في الحقيقة المرشح رقم واحد لدفع الثمن هو الفلسطينيون، أو حتى إيران، بطرق هامشية، فالشي الوحيد الذي اتفق عليه الرجىن في المؤتمر الصحفي دون مواربة هو اتفاقهما على مساعدة "إسرائيل".

