الإنسان أولاً، عبارة رددها المفكرون والثوار عبر التاريخ، ولطالما رددها الفلسطينيون أيضاً إدراكاً منهم لخطورة البناء الثقافي والمعرفي والعلمي والاجتماعي، بما يخلق حالة ارتقاء اجتماعي عام ونخبوي يخطو فيما يخطو به باتجاه الحفاظ على الهوية من خلال الإنسان ذاته، ف فلسطين لم تكن يوماً ولا أعتقدها ستكون في أي وقت بحاجة لإثبات وجود أو تاريخ أو قيمة حضارية، أما الإنسان فهو بحاجة دائمة للتماسك والتمسك .
فيما يخص قضية اللاجئين، باعتبارها عملياً هي الجوهر داخل صَدَفة القضية الوطنية العامة ، ومن حيث هي على ما يظهر جلياً تُشكل عنوانَ الهوية ، هذه الهوية التي باتت تفتقد سياسياً لحدود وطنية جغرافية، لكنها استحالت عن فقدان حاملها، وهي القضية التي تعني ذلك التطابق بين كافة القضايا التي نشأت بعد جريمة النكبة عام 1948 وما تبعها، وتفاعلت ضمن جنباتها وتفرعاتها المتعددة المتنوعة، وقضية اللاجئين كما نعلم ونرى تحتوي في جنباتها مختلف القضايا، فإن قلنا الأرض مثلاً ارتبط ذلك بحالة اللجوء ضرورةً، و إن تحدثنا عن الهوية والحالة القانونية لا يمكن فصل ذلك عنها ، وهكذا دواليك في كل مفردة من مفردات وقضايا الصراع سياسية كانت أم ثقافية أم حقوقية....
لقد شابت هذه المسألة – الجوهر منذ اتفاقات أوسلو شوائب عدة، تبدأ من قلق السؤال ولا تنتهي عند المشاريع التي تُطرح تسريباً أو علناً في المحافل الدولية والإقليمية، ويجدر ذكره أنه وبمعنى ما فإن كل فلسطيني يحمل صفة لاجئ بحكم أنه يطاله بعضٌ أو كلٌ من قلق الهوية بوصفه مرتبطاً بالوطن، ولهذا فإن كل فلسطيني معنيٌّ بدرجة ما بهذا التصنيف الأكثر من لفظي، الذي يطاله حتى وإن كان يعيش داخل الوطن التاريخي بمختلف تبايناته الجغرافية أو بحمله لهوية بأية صيغت كانت.
لكن العنوان الأبرز للاجئين هو المخيم، ذلك أنه المكان الأكثر سطوعاً منحيث احتوائه للاجئين ساطعي القضية والتسمية، وسواءً كان هذا المخيم داخل الوطن أو خارجه، في قطاع غزة النازف أو في الضفة الغربية، أو حتى في المناطق المحتلة في العام 1948، لكن وعلى الرغم من كل ذلك يبدو اللجوء داخل فلسطين ذاتها أقل وطأة على القلق الإنساني من اللجوء خارج حدودها التي رسمتها اتفاقات سايكس بيكو، فهناك في دول بلاد الشام طعم آخر لمعنى اللجوء، إنها يطال التمايز وأحياناً التمييز في خصوصية الهوية.
قوانين جائرة هنا، إجراءات غامضة هناك، قلق حول سؤال المصير، والأهم من ذلك اضطراب فحوى الهوية التي تمسك بها كل واحد من اللاجئين باعتبارها الملاذ الوطني والتاريخي النفسي، وهو ما يعني اليوم انتشار شظايا الأمل وربما التشتت في سؤال المصير والهوية ذاتها.
كمثالٍ، لقد دُمر مخيم نهر البارد، ثم بعض مخيمات سوريا في هذه السنوات الأخيرة، وقبلها في الحرب الأهلية اللبنانية، وبقي اللاجئون- حتى أولئك الذين غادروا- متمسكين بهوية وصفة اللاجئ معبرين عن وعي عالٍ بخطورة وأهمية هذه الصفة، وبالطبع فإن أحد عناوين هذا التمسك هو منظمة التحرير حافظة الهوية، وكذلك الأونروا الشاهد القانوني الأممي على إثبات الهوية والحالة القائمة أكثر منها مسألة استفادة من خدمات ودعم وطبابة، على الرغم من أهمية الجانب التعليمي الذي قدمته عبر سنوات عملها.
شخصياً أستشعر اختلافاً ، وأستذكر الآن كيف كان الحس الشعبي الفطري خلال السنوات الماضية يعتبر اللجوء إلى أوروبا مثلاً نقيصةً وعيباً على الرغم من الظروف الاقتصادية وأحياناً الأمنية التي تعصف وتطال الحياة اليومية وتنال من استمرارية عيش اللاجئ بأبسط ما يمكن من إمكانات ، ولا أدل على ذلك من قوانين العمل تاريخياً في لبنان ومنعها للفلسطيني اللاجئ من مزاولة غالبية المهن والأعمال!
اليوم لم يعد ذلك قائماً- أعني التمسك الصارخ بهوية اللاجئ، أستطيع قول ذلك بكل ألم، لكنه الواقع، وأعلم أن الفلسطينيين جميعهم لا يحبذون الاعتراف بذلك، فروح الشعار والخطاب مهيمنة على الرغم من انكشاف ضررها وسلبيتها عبر تاريخ طويل من حشد الشعارات والابتعاد عن الأفكار والتقييمات الجريئة!
في التجربة الحية الماثلة اليوم مثال فاضح على ذلك، هجرة أكثر من نصف الفلسطينيين اللاجئين في كل من سوريا ولبنان، طبعاً لا يمثل هذا القول إدانة لهم، بل يمثل دعوة لقراءة أكثر عمقاً من مسألة تفاعلات الحرب القاسية والخطرة جداً التي عاناها الشعب السوري والفلسطيني من ضمنه، لكن أسئلة الهجرة تبدأ وتكاد لا تنتهي، وهي تحيلنا بالضرورة دون غض الطرف عن الظروف والدوافع إلى سؤال خطير مفاده: تُرى ما الذي تغير؟!
في الواقع فإن ما تغير – إلى جانب الحالة الموضوعية القائمة- هو ما جرى في ربع القرن الأخير من استسهال سياسي تجاه القضايا اللاسياسية، تحديداً وأهمها قضية اللاجئين والأسرى والجرحى، التي هي قضايا تحمل طابعاً وطنياً وقانونياً وإنسانياً وأخلاقياً أكثر من كونها سياسية، وقد تم حصرها في هذا الجانب كما الاستعاضة في الخطاب الرسمي عن " حق العودة" بـ "حل قضية اللاجئين"، وهو سعي للنظر إلى مشكلة لا قضية، وشتان ما بين الأمرين!.
على الصفحة الأخرى، هناك ما يجري، وإن هؤلاء الشباب والشابات الذين ينظفون بأدوات بدائية ما أمكن من ركام حل ببيوتهم وبمكاتب الفصائل في مخيم اليرموك في هذه اللحظات ويرفعون علم فلسطين على البنايات المهدمة يبدون نظرةً أكثر عمقاً وفهماً للحالة برمتها من السياسيين والمثقفين والنخبة برمتها، إنهم يخطون باتجاه استعادة المعنى لا المبنى وحسب.
هذه فكرة خلاقة، وهم بغالبيتهم جامعيون أو ما يوازي ذلك، صحيح أن غالبيتهم من أعضاء وأصدقاء الجبهة الشعبية، لكن ممارستهم ودأبهم تجاوزت كل خطوات فهم معنى أن يكون المرء بصفة لاجئ، هم يقومون بجهد كبير قد لا يدركون هم أنفسهم أهميته البعيدة القصوى، نظراً لضبابية الواقع وتهويمات المستقبل القريب والبعيد، إنهم عن غير تنظير يعيدون بناء شخصية اللاجئ المتمسك بالمخيم كعنوان للمأساة، هم قد لا يدركون على الأرجح المعنى الفلسفي والقانوني القائم والمبطن لذلك، ومدى تأثيره على المستقبل الوطني برمته على المدى البعيد، لا يلتفتون أبداً إلى أنهم بتطوعهم الفردي هذا يقومون بعمل عظيم يعيد بناء الإنسان المهشم باتجاه العضو الفاعل إيجابياً ذلك المتمسك بصفة اللاجئ.
لقد فقدت السياسة عموماً مثل هذا التمسك بالبناء الحقيقي مكتفية بالتسمية اللفظية و بما هو ممكن، مما فعَّل يوماً بعد يوم الجمود في الرؤية من جهة والتراخي في خاصية التمسك بهوية اللاجئ- التي كما أسلفنا تطال كل الفلسطينيين حتى الرئيس ذاته والقادة الآخرين.
لا بد إذاً من إعادة القراءة، مرة أخرى بمعزل عن اللغة المحفوظة المكرورة، "حق مقدس، حق منصوص عليه في القانون الدولي ، لا عودة عنه"، وهذا لا ينفي بالتأكيد أهمية ذلك تماماً، وإنما المقصود هنا هو ما معنى قضية اللاجئين بلا الإنسان اللاجئ، بمعنى آخر المقصود هو ما يفضي إلى إعادة بناء ثقافة وسيكولوجيا اللاجئ، ليس من ناحية الوقوف في طابور الإعاشة مثلاً، بل بالتعاطي مع الحال القائمة، فالمتواجدون الآن في أوروبا بعشرات الآلاف هم لاجئون، لأنهم ببساطة فلسطينيون ولا يحق لهم العودة إلى وطنهم، وبناء مفهوم وفحوى وخصائص الإنسان اللاجئ هو الطريقة الوحيدة لاستمرار القضية، وحق العودة وكافة القضايا الأخرى، إنه مفتاح الباب الرئيسي أينما حل ، حق العودة صفة ،وهو كما كل السجون، حين تفرغ من نزلائها تُغلق، فلا سجون بلا مساجين!

