سبق لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، وهو من أهم مراكز الفكر السياسي في الولايات المتحدة وأكثرها معقولية، أن نظم في التسعينات ورشة عمل شارك فيها عدد من أبرز خبراء الشرق الأوسط، وكان هناك تركيز في المناقشات على تحيز السياسة الأمريكية ل«إسرائيل»، باعتبار أن التحيز صار حالة مزمنة في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
وفي الحال تعالت أصوات في موجة جماعية وكأنها تعتبر التحيز شيئاً مقدساً لا ينبغي المساس به. وهي أصوات القوى اليهودية الأمريكية، واللوبي اليهودي المنظم (الايباك)، وحشد كبير من أعضاء الكونجرس، الذين بدا من خطابهم أن التحيز هو مبدأ لا يمكن المساس به، ولا الاعتراض عليه.
كان هذا الموقف نتيجة لحالة الجمود التي أصابت مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، وبدا لكثيرين من الخبراء الأمريكيين أن السبب راجع إلى تعنت «إسرائيلي»، وإلى حالة الانحياز الأمريكي المزمن لها.
هذا المشهد تجسد لنا في عام 2018 وبالتحديد في يوم 20 يونيو/حزيران، لكن بصورة كاريكاتورية، غلب فيها التفاوض، وانعدام المعقولية، على من وقفوا يقدمون المشهد. بإعلانهم انسحاب الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بسبب ما وصفته المندوبة الأمريكية نيكي هايلى «بالتحيز المزمن» تجاه «إسرائيل».
وكان حديثها عن التحيز مدعاة للسخرية، بينما هم الذين اعتبروا طوال السنين الماضية، التحيز ل«إسرائيل» مبدأ لا بد من الحفاظ عليه، بينما الولايات المتحدة حين أعطت نفسها دور الوسيط النزيه - حسب وصفها لهذا الدور- تكون ملتزمة أخلاقياً، وأدبياً، وسياسياً وقانونياً، بالتجرد تماما من التحيز لأي من طرفي النزاع.
ولما كان مجلس حقوق الإنسان-ومقره جنيف، يضم 47 دولة، ومهمته بحث الانتهاكات للقانون في العالم بالنسبة لحقوق الإنسان، فإن جدول أعماله يتضمن بنداً ثابتاً، يتحدث عن انتهاكات «إسرائيل» في الأراضي المحتلة، ولم يحدث أن انحازت أمريكا لضحايا هذه الانتهاكات، بل إنها صوتت على مشروع قرار أخير للتحقيق في سقوط عشرات القتلى في غزة برصاص الاحتلال في مايو/أيار 2018، وتمادت في موقفها إلى الحد بالمطالبة بحذف هذا البند من جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان.
وما يحدث من جانب الولايات المتحدة، يدور في إطار خضوع سياستها الخارجية، لحسابات السياسات الداخلية، التي تجعل التحيز ل«إسرائيل» توجهاً ثابتاً، من شأنه عرقلة أي دور أمريكي يساعد عملية السلام، ويفقد أمريكا بالتالي مصداقيتها في أداء هذا الدور.
ويرجع هذا الخضوع لوجود أسباب تجعل صانع القرار، غير قادر على أن يكون غير منحاز، فهناك قوى الضغط اليهودي، وهو ما دفع الرئيس جورج بوش الابن إلى القول بأن العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» هي أكبر من كونها علاقة صداقة.
كما أن قوى الضغط اليهودي نجحت من خلال تحركاتها المنظمة في التأثير على الكثيرين من أعضاء الكونجرس الذين يحتاجون دعم هذه القوى في الولايات التي يرشحون أنفسهم فيها، أثناء حملاتهم الانتخابية، وكما يشرح جيمس نويس خبير السياسة الخارجية بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد، والذي شغل منصب مساعد وزير الدفاع في أواخر السبعينات: فإن معظم أعضاء الكونجرس، إما أنهم غير واعين أو غير مهتمين، لأن الكثير من كلماتهم ومواقفهم الموالية ل«إسرائيل»، مدفوعة بمجموعة صغيرة لكنها من العناصر النشطة المؤيدة ل«الليكود»، والتي كان لها تأثير تخريبي لعملية السلام.
وبالتالي عرفنا دائماً ظاهرة التحيز المزمن ل«إسرائيل»، التي كان أهم مظاهرها الوقوف ضد أي قرار من مجلس الأمن يدين «إسرائيل»، حتى ولو كان غالبية أعضاء المجلس (4 أصوات من 5 أصوات) مؤيدين لهذا القرار، إلى أن تمدد التحيز الأمريكي إلى المنظمات الفرعية التابعة للأمم المتحدة وآخرها مجلس حقوق الإنسان، بينما المندوبة الأمريكية تتحدث وإلى جوارها وزير الخارجية مايك بومبيو، لتصف المدافعين عن حقوق الإنسان «بالتحيز»

