المراقب للوضع الإسرائيلي من داخله يلحظ بلا أدنى شك ازدياد اعتماد إسرائيل على الأيديولوجيا الصهيونية، والأساطير التوراتية ضمن تناسب طردي مع سنوات إقامتها. هذا ما أكّدته استخلاصات مؤتمر هرتسيليا الاستراتيجي الثامن عشر الذي عقد في أيار/ مايو الماضي. بالتالي فإن «قانون القومية» الذي سنّه الكنيست هو نتاج طبيعي لهذا الاعتماد المتزايد، كما أنه دليل عملي على ازدياد نفوذ أحزاب اليمين الديني الصهيوني الأكثر تطرفا على المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة، كما توغلها المتسع طولا وعرضا في الشارع الإسرائيلي. القانون هو إثبات عملي على زيف مقولة «اليسار الصهيوني» فلا اتفاق بين اليسارية كفكر، وبين الصهيونية كأيديولوجيا عنصرية وكشكل من أشكال التمييز العنصري وفقا لقرار الأمم المتحدة بهذا الشأن، ومعروفة هي ظروف إلغاء القرار بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية عام 1991، وظهور عالم القطب الواحد بزعامة أمريكا. نقول عن لعنة الأيديولوجيا على دولة الكيان الصهيوني، نظراً لأنها بتداعياتها المعروفة فيما يتعلق بتعاظم العنصرية التي يجري تتويجها بالفاشية ستشكل مقتلا للدولة الإسرائيلية على المدى الاستراتيجي البعيد. نعم ,العنصرية الفاشية لا تقف عند حدّ معيّن، بل هي مسيرة متواصلة الأمر الذي يعيد إلى الأذهان مشروع «دولة إسرائيل الكبرى»، الذي ما زال يراود أحلام المستوطنين وأحزابهم.
بالفعل لا نعرف حقيقة، ما أدّى بالنخب السياسية العربية للوصول إلى نتيجة مفادها: إن إسرائيل تخلّت عن مشروعها بإقامة دولتها الكبرى!؟ نقول ذلك للأسباب التالية، أولا: إن الصهيونية هي ذاتها، بل تطوّرت باتجاه أنها أصبحت المرجع الأساسي للسياسات الحاكمة في الدولة الصهيونية. المسألة ذاتها هي بالنسبة للتوراة المحرّفة أيضا. للحق يمكن القول إن النخب السياسية العربية لا تتابع التطورات الداخلية في إسرائيل. ثانيا: إن دولة الاغتصاب انتهجت السياسات ذاتها منذ إنشائها القسري حتى هذه اللحظة إنْ بالنسبة لشعارها المعروف «يهودية الدولة» وتهيئة كل الأسباب لهذه المسألة، أو الاستيطان أو النهج العدواني، كما سياسة الإبادة الجماعية للفلسطينيين كمقدمة لقتل أكبر نسبة من العرب لاحقاً! والدلالات والأحداث تؤكد صحة ما نقولْ. ثالثا: إن الظروف تتغيّر ولا يمكن انطباق ظروف الواقع الحالي ( وفيه صعوبة كبيرة إنْ لم يكن استحالة لتطبيق مشروع «دولة إسرائيل الكبرى») على المستقبل، الذي قد يحمل بين طياته ظروفاً مواتية لتطبيقه، خاصة إذا ما استمرّت ظروف العجز الفلسطيني والعربي. قد يحمل المستقبل أيضا ظروفا معاكسة للدولة الصهيونية، ولكن ذلك مرتبط بالعاملين المهمّين في المعادلة، وهما الفلسطيني والعربي. رابعاً: تنطلق إسرائيل في سياستها من مبدأ «فرض الوقائع» دون الأخذ بعين الاعتبار لا قرارات الأمم المتحدة، ولا الشرعية الدولية، وبخاصة، أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب حليفتها الصهيونية في كلّ ما تتخذه من سياسات عدوانية أو خطوات توسعية، تحت شعار»الدفاع عن النفس».
اعتدنا في العالم العربي للأسف على محاكمة الخطوات الإسرائيلية بعد اتخاذها، دون امتلاك صفة رئيسية في التحليل السياسي، وهو استشراف أحداث المستقبل، رغم المقدمات الظاهرة والجلية، والتي لو وضعت في مكانها الصحيح، بناءً على معرفة العدو ونهجه، كما امتلاك الرؤية التحليلية واسعة الأفق، لجزمنا باتخاذ معظم القرارات الإسرائيلية قبل حدوثها، ومنها سن قانون «الدولة القومية» مثلا . نعم، الفرق كبير بين الحالتين بالطبع انطلاقا معما يمكن خوضه من معركة سياسية ضارية قبل اتخاذ القرار المعني وتهيئة الظروف لمجابهة اتخاذه الأمر الذي يجعل العدو يفكّر في خطورة ما سيتخذه من قرارات. بالفعل، الندب بعد اتخاذ الخطوة لا يسمن ولا يغني من جوع! فالقرار جرى اتخاذه شئنا أم أبينا! لكنه ليس قدرا ولن يكون.
وبالعودة إلى شعار «دولة إسرائيل الكبرى»، فحقيقة الأمر أنه لم يفارق عقول الحاخامات اليهود أيضا، ولا المؤسسة الدينية الإسرائيلية مطلقاً، وعلى سبيل المثال لا الحصر (والأمثلة كثيرة) يتساءل الحاخام كشتئل في مقابلة له مع صحيفة «هآرتس»: «ولكن ما هي حدود أرض إسرائيل التي تعود لنا؟ … ويجيب قائلاً: أرض غزة بالتأكيد هي جزء من أرض إسرائيل … إن راشي اليهودي العبقري ,كما الكوزري يؤكدان إنها تصل إلى وادي مصر والقصد حتى دلتا النيل… الله لن يهدأ له بال حتى نحتل كل بلادنا المقدسة. سوف يجلب لنا الله أعداء من هنا ومن هناك، والذين سيتصرفون بصورة غير منطقية تماما… كل ذلك من أجل أن يشار إلينا بأن هناك أرضا أخرى لم تقوموا باحتلالها… الهدف الأسمى هو احتلال أرض إسرائيل حتى لو لم يطلقوا حتى اليوم أي صاروخ علينا من منطقة الشمال، فإنه، حسب التوراة، نحن ملزمون بأن نحتل على الأقل حتى بيروت». ويستطرد: «الله يرمز لنا بأنه يجب علينا الوصول إلى هناك. نعم..هناك ميراث آشر الذي ينتظرنا…إن أساس هدف الدولة، أساس قيمة الجيش هو في كونه جيش احتلال»، ويضيف: بعون الله وقريبا سيأتي إلى هنا ملايين المهاجرين الجدد، وليس بعيدا اليوم، الذي سيصل فيه الاكتظاظ هنا إلى درجة كبيرة ويبلغ السيل الزبى، ولن يكون أمامنا خيار سوى طرد الغرباء – سنحتاج إلى قليل من التوسع هنا، لأنه لن يكون لدينا مكان كاف لسكن أصحاب الأرض».
من جانب آخر فإن البعض من المستوطنين المهاجرين في الشارع الإسرائيلي، أدانوا سنّ الكنيست لقانون القومية، بالطبع ليس انطلاقا من تأييدهم للمساواة بين سكان فلسطين الأصليين مع اليهود المغتصبين لأرضها، وإنما من وجهة نظر، ما سيجّره القانون من ويلات ومخاطر على دولة الكيان الصهيوني. فهؤلاء ينطلقون من أهمية بقاء إسرائيل كدولة، ويرون في قانون القومية مقدمة لانهيار هذه الدولة، بتأجيج الصراعات المختلفة المحتدمة فيها. فمثلا انتقد عضو الكنيست بني بيغن بشكل حاد الصياغة التي طُرحت للتصويت على القانون، قائلاً إن «هذا الاقتراح خاطئ»، وانتقد الشرط الذي يسمح بـ «تأسيس مستوطنات لأفراد من دين واحد أو جنسية واحدة- المقصود اليهود-»، مشيراً إلى أنه قبل سبع سنوات وبدعم من حزب «ليكود» أقر الكنيست قانوناً يمنع لجان القبول من رفض قبول مرشح لأسباب وطنية، إضافة إلى سلسلة قيود إضافية. ونقلت صحيفة «هآرتس» عن مصدر قانوني، درس صياغة القانون، قوله: إن قرار منح اللغة العربية «مكانة خاصة» وإلغاء مكانتها كلغة رسمية، من شأنه أن يضر بتوسيع الوجود العربي في الفضاء العام في المستقبل، وذلك على عكس ما أتى في إعلان القانون الذي نص على أنه لا «يضعف وضع اللغة العربية في الممارسة قبل بدء هذا القانون الأساسي».
من جانبه اعتبر يوسي بيلين أن سنّ قانون القومية هو «دليل ضعف لا قوة». أما يديديا شتيرن فقد اعتبرته «ذئبا في جلد نعجة»- يديعوت أحرونوت- فهي تقول «يسعى مشروع القانون إلى تغيير القانون القائم: فضمن أمور أخرى يقترح تخفيض مستوى مكانة اللغة العربية، من لغة رسمية إلى لغة «ذات مكانة خاصة»، وهذه خطوة تستهدف استفزاز الأقلية العربية. كما أن القانون يقّر بوجود استيطان مجتمعي منفصل على أساس القومية، في خلاف مع موقف المستشار القانوني للحكومة. ولكن ودون التقليل من أهمية هذه المواضيع فإن الضرر الدراماتيكي لمشروع القانون هو الإخلال بالتوازن الذي بين الجانب الخاص للمشروع الصهيوني والجانب الكوني له. فمشروع القانون يعنى بتوسع في جانب واحد من المعادلة – الهوية اليهودية للدولة – بدون أي ذكر لعنصرها الديمقراطي. ويدّعي واضعو المشروع بأن الجانب الديمقراطي يعالج منذ الآن في قوانين أساس أخرى، ولكن هذا تضليل: ليس في إسرائيل وثيقة حقوق إنسان. وقال الكاتب حيمي شاليف، في صحيفة «هآرتس» إن «الضرر الأكبر للقانون هو في أوساط يهود أمريكا، فمنظمات يهودية كثيرة بما فيها التي تملأ فمها بالماء بشكل عام أدانت القانون الجديد بكلمات لاذعة لكن أيضا بالنسبة للكثيرين الذين صمتوا فإن قانون القومية هو جسم مسموم في قلوبهم». وحسب شاليف، فإن اعتراض تلك المنظمات ليس فقط على قانون القومية وإنما على سلسلة من القوانين التي تقوض حرية التعبير، مثل القانون الذي سيمنع منظمات وجمعيات إسلامية، مناهضة للاحتلال، من ظهور مندوبين عنها أمام طلبة المدارس الإسرائيلية. وقال إن قانون القومية كانت بمثابة «القشة التي قصمت ظهر البعير، والمسمار الأخير في نعش إسرائيل». ما سبق هو غيض من فيض مما قيل عن تداعيات سن «قانون القومية» على إمكانية انهيار إسرائيل. بتعبير آخر: إنها لعنة الأيديولوجيا.

