على صعيد الوضع الداخلي العربي بعد هزيمة يونيو حزيران 1967 تمت المصالحة بين مصر والسعودية في مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في الخرطوم، حيث كان الصراع بينهما يدور في اليمن إثر الإطاحة بنظام الإمامة الملكي الرجعي المتخلف، الذي هبّت السعودية لإعادته، فيما وقفت مصر بجانب ثورة سبتمبر. ومنذ تلك المصالحة التي أعقبت النكسة بدأ صعود الدور السياسي الخليجي، والسعودي بصفة خاصة.
وبتراجع المدّ القومي الذي كانت تقوده مصر الناصرية تمت مقايضة المبادئ الوطنية والقومية بالمال السياسي النفطي، الذي يُمنح لدول المواجهة العربية، وقد لعب تدفق ثروات النفط لمصر بشكل خاص دورًا في تغيير البنية الطبقية للنظام السياسي، الذي بدأ يبحث عن تسوية سياسية مع الكيان الصهيوني لإزالة آثار العدوان بعد أن كان محتوى الخطاب السياسي الناصري والعربي عمومًا تحرير فلسطين.
بعقد اتفاقية كامب ديفيد أصبحت السعودية مركز ثقل السياسة العربية بحكم علاقتها بالمركز الإمبريالي العالمي في واشنطن، مما أتاح لمساعي الرياض وقف الحرب الأهلية اللبنانية بتوقيع اتفاقية الطائف وهو الحدث الذي يُدلّل على انتقال مركز القيادة القومية العربية من المناطق الحضارية في مصر وبلاد الشام والعراق، إلى دول الخليج العربي ذات الطابع السياسي القبلي.
لقد ألحقَ صعود الدور السياسي والأمني السعودي أضرارًا بالغة في الوضع العربي بشكل عام فعلى صعيد القضية الفلسطينية أصبح النظام السعودي يتعامل معها الآن كقضية تسووية وليست قضية نضال وطني تحرري للشعب العربي الفلسطيني، الذي شُرِّد نصفه في الشتات والنصف الآخر ما زال تحت الاحتلال.
وبتراجع نفوذ المؤسسة الدينية الرسمية في المملكة لصالح سطوة النظام العائلي القبلي أصبح الميل جارفًا للتطبيع مع الكيان الصهيوني، كما يجري الآن بصورة ملحوظة متتابعة، حتى قبل التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وذلك في مواجهة السياسات الإيرانية حيث أضحت إيران الشيعية العدو الرئيسي لدول الخليج العربي بشكل عام بدلًا من الكيان الصهيوني.
أما على صعيد الأزمة السورية فقد كان من الممكن أن تبقى هذه الأزمة التي ظلّت محصورة بين النظام السياسي والمعارضة التي ترفع شعار الديمقراطية وتداول السلطة في مواجهة هذا النظام الذي يحكمه حزب البعث العربي الاشتراكي وهو حزب قومي، ولكنه صُبِغ بصبغة طائفية بسيطرة الطائفة العلوية الشيعية على مقاليد السلطة فيه، وذلك منذ تولى الرئيس الراحل حافظ الأسد سدة الحكم عام 1970، ولكن زَجت السعودية نفسها وقوى إقليمية ودولية أخرى ك تركيا والولايات المتحدة بجانب قوى في المعارضة، مرتبطة بالغرب الرأسمالي. وهذا جعل الأزمة تخرج عن إطارها الوطني وتصبح صراعًا بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية، والخاسر فيها الشعب السوري وحده، وكذلك الحد من سيطرة دولته الوطنية على كامل الوطن السوري بسبب وقوع مناطق في حوزة قوات المعارضة على اختلاف تنوع أطرافها. وقد تم تحرير الكثير منها مؤخرًا بمساعدة إيران وروسيا وحزب الله اللبناني.
هذا ناهيك عن التحالف العربي الذي تقوده المملكة في الصراع المسلح باليمن ضد الحوثيين الزيديين الشيعة المدعومين من قبل إيران، والذي ترتكب فيه مجازر بشعة ضد المدنيين، آخرها مجزرة صعدة التي راح ضحيتها عدد من الأطفال الأبرياء.
هكذا فالدور السعودي بصفة خاصة في المنطقة هو تاريخيًا دور رجعي في مواجهة مشروع التحرر والنهضة والحداثة والوحدة العربية (دور السعودية في الانفصال بين مصر و سوريا في دولة الوحدة في الستينات من القرن الماضي) ولكنه بات متنامٍ وملحوظ في هذه المرحلة بسبب التعاطي مع عملية التطبيع التي بدأت تنخرط بها أوساط سياسية وثقافية وأمنية سعودية وبشكل سافر كما ينشر من تصريحات في مواقع التواصل الاجتماعي، وآخرها تغريدة الناشط السعودي المعروف أحمد بن سعد القرني الذي خاطب الكيان محرضًا على قتل أبناء غزة.
أمّا ما حدث في السعودية قبل فترة من تطورات أمنية تمثلت باعتقال عددٍ من الأمراء وغيرهم من الأثرياء السعوديين تحت ذريعة الفساد وإصلاح الوضع الاقتصادي في البلاد، الذي تأثر بسبب التدخل العسكري في اليمن هو في الحقيقة ليس إلا مظهرًا من مظاهر الصراع على السلطة، والذي بدأ بجعل ولاية العهد للابن الأمير محمد بن سلمان، وهو ما يخالف طريقة تداول السلطة في النظام الملكي السعودي، إذ جرت العادة أن تكون ولاية العهد محصورة في نطاق الأمراء أبناء الملك المؤسس عبد العزيز.
إنه بداية تفكك العائلة المالكة السعودية التي تحكم البلاد بطريقة قبلية استبدادية منذ أن سخرت الفكر السلفي الوهابي لشرعنة وجودها واستمرارها بمقاليد السلطة السياسية في البلاد.

