Menu

أزمة العقل التقليدى العربى

السيّد ياسين

يبرز فى المرحلة الراهنة خطاب تقليدى يتبناه مثقفون من اتجاهات فكرية شتى، وهو يبسط رواقه على مختلف جنبات المجتمع العربى،

وهذا الخطاب يخوض معركة شرسة مع الخطاب العصرى الذى يتبناه مثقفون من مشارب فكرية مغايرة. والسمات الأساسية للخطاب التقليدى أنه يتشبث بالماضى، وهذا الماضى المختار المتخيل يختلف بحسب هوية منتج الخطاب، وهو خطاب يهرب من مواجهة الواقع، ولا يعترف بالتغيرات العالمية، أو على الأقل يحاول التهوين من شأنها، أو يدعو بصورة خطابية للنضال ضدها وبغير أن يعرف القوانين التى تحكمها، ومن سماته إلقاء مسئولية القصور والانحراف على القدر أو على الضعف البشرى أو على الأعداء، وهو فى ذلك عادة ما يتبنى نظرية تآمرية عن التاريخ، وهو أخيراً ينزع ـ فى بعض صوره البارزة- إلى اختلاق عوامل مثالية يحلم دعاته بتطبيقها، بغض النظر عن إمكانية التطبيق، أو بعدها عن الواقع.

أما الخطاب العصرى فهو خطاب عقلانى، يؤمن بالتطبيق الدقيق للمنهج العلمى، وعادة ما يتبنى رؤية نقدية للفكر وللمجتمع وللعالم، وهو خطاب مفتوح أمام التجارب الإنسانية المتنوعة يأخذ منها بلا عقد، ويرفض بعضها من موقع الفهم والاقتدار والثقة بالنفس، ولا يخضع لإغراءات نظرية المؤامرة التاريخية الكبرى، كما أنه يعرف أنه فى عالم السياسة ليست هناك عداوات دائمة أو صداقات خالدة، بالإضافة إلى أنه ينطلق من أن الحقيقة نسبية وليست مطلقة، وأن السبيل لمعرفتها هو الحوار الفكرى والتفاعل الحضارى، ولا يدعو لمقاطعة العالم أو الانفصال عنه، ولا يدعو إلى استخدام القوة والعنف، ولا يمارس دعاته الإرهاب المادى أو الفكرى.

ويخطئ خطأً جسيما أنصار تيار الإسلام السياسى الذى يهدفون جميعا - وبلا استثناء- إلى تقويض الدولة العلمانية الراهنة وإنشاء دولة دينية محلها، إذ ظنوا أننا داخلون فى معركة فكرية معهم على وجه الخصوص، وذلك أن معركتنا الحقيقية التى تسعى إلى تحديث المجتمع ومجابهة مشكلاته الجسيمة موجهة فى الواقع ضد الخطاب التقليدى بكل صوره وأنماطه، وأيا كانت طبيعته علمانيا كان أو دينياً.

ويشهد على صدق ما قلناه مراجعة دراساتنا السابقة، والتى وجهنا فيها النقد الصارم للخطاب الماركسى التقليدى، الذى يراوغ فى قبول الحقيقة التى مؤداها أن الممارسة الماركسية سقطت تاريخياً فى إطار تجربة الاتحاد السوفيتى ودول الكتلة الشرقية، وقد استعان هذا الخطاب لتبرير ما حدث بآلية من آليات الخطاب التقليدى الشهيرة وهى أن النص الماركسى صحيح غير أن الممارسة كانت خاطئة، وقلنا من قبل فى أكثر من مرة، أنه لا يمكن الفصل بين النص والممارسة، وخصوصاً إذا أتيح للممارسة حقبة تاريخية كاملة لكى تطبق فيها، وتواتر الممارسة الخاطئة هو الدليل على أن النص فى حد ذاته معيب، واستعان هذا الخطاب، بآليات أخرى، من أهمها نظرية المؤامرة التاريخية.

ويصدق ذلك تماما على الخطاب القومى العربى التقليدى، الذى نزع عبر عقود طويلة، إلى إلقاء مسئولية فشل الوحدة العربية على المؤامرات التاريخية للأعداء، أو على القيادات الملعونة التى رفضت الوحدة، وذلك بدلا من النقد الشجاع للمنطلقات الفكرية الخاطئة لهذا الخطاب، وكشف الانحرافات بل والجرائم التى ارتكبتها النخب السياسية الحاكمة العربية التى رفعت شعار الوحدة، فى حق شعوبها، وفى حق الشعب العربى ككل، ولا نستثنى من دائرة الخطاب التقليدى الخطاب الإسلامى السياسى المعاصر، لكونه أبرز مثال على الخطاب التقليدى بكل سلبياته التى ألمحنا إليها، بالإضافة إلى الإرهاب الفكرى الذى يمارسه دعاته، والإرهاب المادى الذى تقوم به بعض الفصائل المنتسبة له.

وليس لدينا شك فى أن الخطاب التقليدى يمر بمأزق حقيقى، لأنه عاجز عجزا تاما عن الإجابة عن الأسئلة المطروحة عليه، أيا كان نمطه واتجاهه، وهذا الخطاب لابد له - فى بعض الصور البارزة له - أن يدفع أصحابه ثمنا فادحا لعدم مواجهة الواقع، بحكم أنهم منغمسون فى تشكيل عالم مثالى من صنع خيالاتهم وأوهامهم. وهم فى هذا السبيل لا يعنيهم خرق القواعد المستقرة لحقوق الإنسان، ولا حتى خراب البلاد والعباد.

وقد أحست بعض الأصوات المتنورة من أصحاب الخطاب التقليدى بأنماطه المختلفة، أن جمود هذا الخطاب قد يؤدى بهم إلى الانزواء بعيدا فى أحد أركان التاريخ المهملة، ولذلك نادوا بأهمية تجديد مقولات خطاباتهم التقليدية، وكانت الخطوة الأولى هى ممارسة النقد الذاتى، وهى خطوة نرحب بها ترحيبا شديداً، لأنها هى أساس أى حوار عقلانى بين الفصائل السياسية والتيارات الفكرية فى الوطن العربى. ولم يتخلف عن هذه الممارسة سوى جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية التى بعد أن هوت نتيجة الفشل السياسى والسقوط التاريخى بدأت الإرهاب ضد الشعب المصرى نفسه التى تزعم أنها تريد الخير له!

غير أن النقد الذاتى هو مجرد خطوة أولى لتخليص الخطاب التقليدى من أزمته الخانقة، ولابد أن تتلو هذه الخطوة خطوة أخرى أكثر حسما، وهى التجديد فى المنطلقات وفى الإطار، للتكيف مع حقائق العالم المعاصر، وللتفاعل الخلاق مع المتغيرات العالمية.

غير أنه يعنينا فى النهاية - ليس من باب الجدل- ولكن من باب إلقاء الضوء الكاشف على آليات الخطاب السياسى الإسلامى أن نحدد الآليات التى يستخدمها سواء فى تقديم أفكاره وتسويقها فى كل مكان، أو فى الحوار الفكرى، أن نعرض بشكل موجز لآلياته:

 

1- الآلية الأولى: هى الهروب من التاريخ إلى كلام مرسل عن أمجاد الحضارة الإسلامية فى عصورها الزاهرة التى هى ليست محل أى خلاف، ثم كلام معاد عن الاستعمار وسوءاته.

2- الآلية الثانية: هى استخدام المشابهة التاريخية بطريقة ظاهرة الخطأ، فمن قال إن االصحيفةب التى كتبت فى العهد النبوى ووصفت بأنها ادستور المدينةب هى دستور حقا بالمعنى الحديث للمفهوم كما يستخدمه المعاصرون.

وهل تتضمن حقا ذ كأى دستور حقيقى- آلية محددة لانتقال السلطة بالإضافة إلى التحديد الدقيق للسلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية؟ وإذا كانت الإجابة بنعم ترى ما هو سر االصراع الدموى على السلطة طوال أغلب مراحل التاريخ الإسلامى، وما هو تفسير الانقلابات السياسية المتتابعة والتى اعتمدت على استخدام القوة والعنف والاغتيال؟

3- الآلية الثالثة: وهى أخطر آلياته على وجه الإطلاق، هى استخدام الفتوى فى تكفير الخصوم الفكريين، سواء صدرت من مفتى محترف، أو من مفتى هاو يصدر الفتاوى على هواه.



نقلاً عن: الأهرام