أمَّ المئات من الفلسطينيين والسوريين مقابر الشهداء والموتى في أقصى مخيم اليرموك، وشاركت الفصائل الفلسطينية بشكلٍ ملحوظ في زيارة العيد هذه بعكس العيد الماضي، وكان من بينهم قادة وكوادر ومثقفون وناشطون.
هذا العيد تميَّز عن سابقه اليتيم بعد التحرير، أي عيد الفطر، الذي صادف توقيته آنذاك أي منذ شهرين وعقب التحرير مُباشرةً، حيث كان الدمار يفوح برائحته الطازجة الأليمة، وبشكلٍ خاص التدمير المُتعمَّد الذي حل بقبور الشهداء التي تم التنكيل بها ونبش بعضها.
في ذاك الحين، تسرّبت معلومات عن قيام تنظيم داعش خلال احتلاله لليرموك ومقابره بالبحث عن جثث القتلى الصهاينة الذين قتلتهم واستحوذت عليها المقاومة في حرب لبنان خلال ثمانينات القرن الماضي، إذ احتفظت بجثثهم بغيّة تحرير أسرى من سجون الاحتلال مقابل هذه الجثث، وسرت خلال السنوات الطويلة الماضية إشاعات وهمسات عن أن المقاومة احتفظت بهم في إحدى مقابر مخيم اليرموك، الأمر الذي لم تؤكده أي من مصادر المقاومة، إلا أنها أکَّدت عبر العديد من قادتها بأن داعش جهد لمصلحة العدو في البحث عنها لإيجادها، لكن دونما جدوى، ولم يصدر أي تأكيد عن مآل أو مصير هؤلاء، لا من الفصائل، ولا من الدولة السورية.
لكن تدمير مقبرتي اليرموك كان من الواضح أنه رسالة تدمير انتقامي حاقد يستهدف الشعب والثورة الفلسطينية وتاريخهما وتحقيق أهداف صهيونيةَ الخلفية، ويعتقد كثيرون بأن أحد أسباب ذلك هو الفشل في انتشال جثث الإرهابيين الصهاينة.
زار الناشطون والمواطنون المخيم هذا العام، وتم فتحه أيام العيد حيث لم تعترض الحواجز الأمنية دخول أي مواطن، بعد أن كانت حددت قبل أيام قليلة ساعات الدخول والخروج من التاسعة صباحًا حتى الثالثة ظهرًا مع شرط الحصول على موافقةٍ أمنيةٍ مُسبقة.

قادة فلسطينيون عدة كانوا خلال زيارة المخيم منهم أحمد جبريل الأمين العام للجبهة الشعبية –القيادة العامة، والرفيق أبو علي حسن عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وعدة قادة من مختلف الفصائل والأحزاب.
يقول الناشط زياد بدر المدير الإداري لاتحاد العمال العرب لـ "بوابة الهدف"، أن "الوضع أفضل من زيارة العيد السابقة، فقد أزيل بعض الركام من الشوارع، حيث أن بعض السكان قد نظفوا محيط بيوتهم، حتى أن بعضهم استقبلنا مع بعض الناشطين من الوفود ضيوفًا، وقدموا القهوة والكعك الفلسطيني الشهير، وخاصة في شارع الجاعونة حيث أن بعض البيوت لم يتمكن منها التدمير تمامًا وبقيت بعض الغرف أو المداخل قليلة الركام ويمكن للمواطنين تنظيف محيطها ودواخلها بأدوات بسيطة فردية وغير آلية".

وكما لاحظ مُراسل "الهدف" الذي تواجد في المكان، فإن إعادة الإعمار أو إزالة الركام لم يبدأ حتى الآن، وهو ما يُطالب به أبناء اليرموك من السوريين والفلسطينيين ليتمكنوا من العودة إلى بيوتهم وممتلكاتهم حيث أنهم مرهقون من بدل الإيجارات في أحياء دمشق والتي تضاعفت أكثر بعشر مرات على الغالب منذ بداية الحرب، ما أرهق المواطنين تمامًا وبخاصة بعد التقليص الكبير في تقدمات "الأونروا" النقدية لهم بسبب شح تمويل الدول وتخليها عن الالتزام بمُستحقاتها.
أحد المهتمين أكَّد لـ "بوابة الهدف"، أن "محافظة دمشق تهيئ المعدات والإمكانات اللازمة لبدء إزالة الركام من الشوارع الرئيسية أولاً ثم الفرعية فالبيوت والحارات، علمًا بأن نظرة سريعة على ما حل بالمخيم تفضي لاستنتاج أن ذلك بحاجة لإمكانات ضخمة قد تعجز عنها بعض الدول نظرًا للكم الهائل من الركام، ويُقال هنا بأن ذلك سيبدأ عقب العيد مباشرة، لكن هذا الأمر لم يتم تأكيده رسميًا".

قبور المخيم وخاصة قبور وصروح الشهداء القادة رُممت بشكلٍ أولي، كتحديد مكان القبر ووضع الشواهد المحطمة المتناثرة في كل مكان بشكلٍ يدوي بدائي، وفي المقبرتين الشهيرتين القديمة والجديدة، وهو ما وعدت بإصلاحه منظمة التحرير عند قدوم الوفد من رام الله قبل أسابيع، ولم تفِ حتى اللحظة بتنفيذ ذلك.
خلال الزيارة كان من اللافت ازدياد عدد من قدِموا لزيارة المُخيم صبيحة العيد مُقارنةً بالعيد الماضي وجاء ذلك عكس التوقعات، فما كان مُتوقعًا هو أن يتمكن اليأس والإحباط من السكان ما يدفعهم للكف عن الزيارة، أو دخول المخيم برمته، بينما توافد المواطنون بأعداد أكبر من زائري العيد الماضي على الرغم من الشائعات على مواقع التواصل التي تقول بأن تشديدات أمنية من قبل الدولة على الدخول والخروج وهذا الأمر ليس صحيحًا، حيث أن هناك تدقيقًا في الهويات فقط مُترافق مع تسجيل لأسماء الداخلين روتينيًا، وليس هناك أي منع.
بعض مكاتب المقاومة الصالحة للعمل عاد إليها مالكوها ورفعوا الأعلام الفلسطينية والسورية على المباني ومكاتب الفصائل.
المواطنون هنا بشكلٍ عام عبروا عن ألمهم لضياع أماكن قبور شهدائهم وموتاهم ودمار بيوتهم، كما عبروا جميعًا عن آمالهم بأن يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم متفهمين ضرورة وصعوبة تنظيف الركام وإعادة الإعمار، ومشتكين في الوقت ذاته من عدم البدء الفعلي بذلك، كما أن بعض هؤلاء المواطنين حصل على موافقات للدخول والخروج وبعضهم نظف بيته وسكنه وما أمكن حوله وشق الطريق المؤدي إليه، لكن الآلاف منهم في انتظار ما ستُفضي إليه الأيام المُقبلة.

