Menu

خطر الخيار الثالث في العراق

د. محمد السعيد إدريس

بات من المرجح أن يواجه العراق أزمة سياسية - اجتماعية طاحنة، بسبب الفجوة الهائلة التي تزداد اتساعاً بين مخرجات العملية السياسية، كما تعبّر عنها نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في مايو/‏ أيار الماضي التي باتت تتركز حول الصراع السياسي بين كافة القوى السياسية على تأسيس الكتلة الانتخابية الأكبر، ومن ثم امتلاك التفرّد في إعلان شخص رئيس الحكومة، وبين واقع الأزمة السياسية التي يعيشها العراق بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية، كما تعبر عنها مطالب التغيير الجذري التي ترددت في شعارات التظاهرات التي عمّت محافظات العراق ومدنه.

مخرجات العملية السياسية التي أفرزتها الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جاءت مفعمة بالخروقات وشبهات التزوير، وتدني نسبة المشاركة أسقطت كل الشعارات التي اشتركت في إعلانها معظم القوى السياسية قبل بدء الانتخابات، وعلى الأخص محاربة الفساد، وإلغاء المحاصصة السياسية وتجاوز الطائفية، فما يحدث الآن هو صراع واستقطاب سياسي بين كتلتين شيعيتين كبيرتين تحاول كل منهما من خلال جذب وإغراء السُنّة والكُرد امتلاك النصاب المطلوب لتشكيل الكتلة الأكبر التي سيكون بمقدورها ترشيح رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس الحكومة، ومن أجل هذا المسعى تجري التضحية بكل المبادئ وبكل الشعارات.

فالاستقطاب أضحى الآن بين كتلة شيعية كبيرة تسعى إلى إعلان نفسها الكتلة الأكبر، ومن ثم تبدأ في إجراءات إعلان شخص رئيس الحكومة المرشح وتقسيم الغنائم الحكومية بين الفرقاء والحلفاء، وتضم ثلاث كتل شيعية هي: «سائرون» بزعامة مقتدى الصدر، و«النصر» بزعامة حيدر العبادي، و«الحكمة» بقيادة عمار الحكيم، ومشاركة كتلة رابعة تضم نواباً مختلطين من الشيعة والسُنّة هي كتلة «الوطنية» بزعامة إياد علاوي، وبين كتلة شيعية كبيرة أخرى تنافس على تشكيل الكتلة الأكبر وتضم: «الفتح» بزعامة هادي العامري، و«دولة القانون» بزعامة نوري المالكي.

وبموازاة ذلك تمكّنت خمسة أطراف سياسية سُنيّة من تشكيل تحالف سمّته «المحور الوطني»، ويضم كتلة «متحدون» بزعامة أسامة النجيفي و«المشروع العربي» بزعامة خميس الخنجر، و«الحل» بزعامة جمال الكدبولي و«الحزب الإسلامي» جناح سليم الجبوري، إضافة إلى فلاح الزيدان وزير الزراعة، هذه الكتلة لديها ما يقرب من 50 نائباً أو أكثر، استطاعت أن تجري حوارات مكثفة مع الحزبين الكُرديين الكبيرين: الحزب الوطني الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، كان أهمها اجتماع عُقد في أربيل (19/‏8/‏2018) هدفه تنسيق المواقف وإعلان قائمة شروط أو مطالب يجري على أساسها التباحث مع كلا القطبين الشيعيين المتنافسين على تشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان، واتخاذ قرار الانضمام إلى أي منهما وفقاً لجدية كل منهما في القبول بهذه الشروط والمطالب.

وإذا كانت الأطراف الكُردية قد توحدت على مجموعة من المطالب تخص إقليم كردستان، فإن الأطراف الخمسة المشاركة في التكتل السُنّي «المحور الوطني»، وإن كانت قد تجمعت تحت (يافطة) الوطنية وخدمة المكوِّن السُنّي، فإن ما يحرّكها، بكل أسف، هو الفوز بدور في السلطة عبر آلية المحاصصة البغيضة، وهذا ما جعلها تتأرجح في إعلان انضمامها لأي من القطبين الشيعيين الكبيرين، بل وجعلها الأكثر استعداداً للغواية وانفراط وحدتها جرياً وراء وعود بمناصب كبيرة في الحكومة، وأكثر تعرّضاً لضغوط وإغراءات القوى الخارجية، وخاصة كلاً من الولايات المتحدة وإيران، على نحو ما حدث من ميل خميس الخنجر إلى كتلة الصدر- العبادي- الحكيم علاّوي، وميل جمال الكدبولي إلى كتلة العامري- المالكي، بتحفيز وتشجيع إيراني.

تغليب المصالح الفئوية والشخصية من جانب الكُرد والسُنّة وغياب المبادئ كمحدد أساسي للتحالفات، كما عبّر عنها زعماء المجموعتين من خلال شعار «ندعم من يدفع أكثر». والدفع هنا بالمناصب وبالوعود التي يمكن التراجع عنها، يحمل أخطاراً عديدة، منها ما يروّج على ألسنة حلفاء إيران (العامري والمالكي) باتباع تكتيك قبول جميع المطالب الكُردية والسُنيّة بشكل أولي ثم المماطلة في تنفيذها لاحقاً، أما الخطر الأكبر فهو احتمال لجوء القطبين المتنافسين إلى التوحد وتشكيل كتلة شيعية كبرى في البرلمان دون حاجة إلى التحالف مع السُنّة أو الكُرد، وهو خيار ثالث بديل لتيار حاكم يجمع الصدر والعبادي والحكيم أو لتيار حاكم يجمع المالكي والعامري، هذا الخيار الثالث الذي يمكن أن يجمع كل هؤلاء معاً من شأنه أن يشكل حكومة قوية في مقدورها أن تضرب عرض الحائط بمطالب السُنّة ومطالب الكُرد. وإذا كانت فرص هذا الخيار الثالث محدودة فإنه، رغم ذلك، يبقى خطراً قائماً يجب على السُنّة والكُرد أخذه في الاعتبار حتى لا يكون عليهم دفع أثمان أطماعهم وخياراتهم الخاطئة.