في إطار الإستراتيجيات العالمية لدول الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، ما يعرف بإستراتيجية الثغرة، وهي ترصد بتدقيق بالغ، ظهور هذه الثغرة ومدى اتساعها، لكي تجعل منها مبرراً مقنعاً للآخرين، بأنها تنفذ عملاً أخلاقياً، من خلال عملية عسكرية ضد الدولة المستهدفة، وتغلفها بستار خادع من الادّعاء بأن هدفها حماية شعب الدولة التي تتدخل في شؤونها.
ويحدث على ضوء هذه النظرية أن يكون داخل هذه الدولة، عنصر كامن، يبدأ بسطو من يحكمونها على تقاليد الدولة، وإمكاناتها، وثرواتها، إيماناً منهم بأنهم بعد سنوات طويلة من جلوسهم على مقاعد الحكم، قد أصبحوا هم والدولة شيئاً واحداً ويؤكدون نظريتهم تلك بتوريثهم الحكم من بعدهم، لأبنائهم، وهو ما سعى إليه صدام في العراق، والقذافي في ليبيا ، والأسد في سوريا، وما حاوله علي عبدالله صالح في اليمن.
هذه الممارسات القهرية للشعوب، هي التي تتخذ منها قوى أجنبية، وسيلة لخلق مبرر لتدخلها بعملية عسكرية، في إطار ظروف تخلق لدى شعبها، وللعالم كذلك، أن تدخلها ليس سوى عمل أخلاقي لصالح شعوب الدول المستهدفة، وإن كان هذا التدخل يلحق به بالضرورة إشعال الصراعات الطائفية والمذهبية داخل هذه الدولة، والعمل على تقسيمها وتفتيتها من داخلها. ويصل هذا التدخل إلى مرحلة تجاوز كافة الخطوط الإنسانية، والقواعد القانونية، بما تفعله القوى الأجنبية في حالة بسط نفوذها على هذه الدول، بما ترتكبه في حق شعوبها من تدمير للأمن، وتهديد لأركان الدولة الوطنية.
والخطأ الذي أوجد ما سُمّي بالثغرة، صنعه هذا الصنف من الحكام، الذين تصرف كل منهم ليس باعتباره حاكماً، له دوره ومسؤولياته المحددة حسب المواثيق والقوانين الدولية، وهو الدور الذي لا يجور على دور المحكومين. ولأن الحياة في أي مجتمع لا تستقيم إلاّ كما أرادها الله سبحانه وتعالى، منذ بدء الخليقة، حيث لا انفراد لأحد بمساحة الوجود الإنساني، ولا سحق لوجود الآخرين، أو حجر أو مصادرة للحق الطبيعي في الاختيار، وأوله الاختيار الحر للحاكم.
ولما كان أي مجتمع إنساني معرضاً لتهديدات من خصوم وأعداء طامعين فيه، فإن سلوك هذا الصنف من الحكام من شأنه كسر قواعد علاقات القوى المتعددة داخل المجتمع، وبالتالي فإن ما يفعله هذا الحاكم، يمثل البداية لخلق الفرصة للقوى الخارجية لاقتحام الدولة، التي شُيِّد بناؤها الداخلي على أساس غير سليم، وتلك هي مكونات نظرية الثغرة، التي صارت إستراتيجية في حسابات القوى الخارجية، ومصالحها وأهدافها. وهى بالضرورة تتعارض مع مصالح وأهداف شعوب الدول المستهدفة.
وليس خافياً على أحد في عالمنا العربي، أن لكل الدول الطامعة أهدافاً وخططاً رسمت للتدخل في الشأن العربي، تتمثل في مشاريع قديمة لإعادة رسم الحدود، والتقسيم والتفتيت، لكن هناك أيضاً المتربصين من دول إقليمية صاحبة أطماع تاريخية لا تخفيها. ف تركيا لديها مشروع السطو على أجزاء ترى أنها كانت قديماً ولظروف استعمارية جزءاً من الدولة العثمانية، وإيران لديها المشروع نفسه، الذي لم يحدث أن أخفاه قادتها وحكامها، فضلاً عن المشروع «الإسرائيلي» الذي يردد دعاته نواياهم في ضم الجولان إليهم، بالإضافة إلى الكشف عن مشاريع لابتلاع الضفة الغربية بكاملها حين تسمح بذلك الظروف.
في أجواء هذه الأحداث، ينفي البعض من المتابعين والمحللين وجود التآمر الخارجي، بالقول إن من يتولون الحكم في الدول الفاشلة يتعللون بنظرية المؤامرة، لإبعاد الشبهة عن مسؤوليتهم عما آل إليه حال بلادهم من تدهور سياسي واجتماعي واقتصادي، لكن ذلك لا ينفي وجود المؤامرة التي تستند إلى خطط ومشاريع طويلة الأجل، يسهلها لهم هذا النوع من الحكام الذين توجد الثغرة عن طريقهم أولاً.

