يظنّ بعض من يقدمون على نشر كتاباتهم الإبداعية لأول مرة، أن هناك أساسيات في النشر، خارجة عن متن الكتابة نفسه، تتمثل في الإهداء (الذي يعتبر لديهم فاتحة للكتاب، ويتلهفون كثيرا على وضعه) أو في مقدمة ما، غالبا ما يتوجهون إلى كاتب معروف حتى "يطرّزها" لهم. ومثل هذا الكاتب الذي يقبل، كثيرا ما يفعل ذلك دون أن يقرأ المتن الذي يوضع بين يديه، ولذلك يكتب جملا عامة لا تفيد الكتاب ولا قارئه. وأعرف أن بعض الكتاب الكبار (ممن سبق أن جادلتهم في ما يفعلون)، لم يصححوا واحدا من أخطاء الكاتب الكثيرة، حتى وهي تواجههم من السطر الأول، ما يدل على أنهم لم يعتنوا بقراءة سطر واحد مما يكتبون له مقدمة، ربما بمزيد من الحماسة في بعض الأوقات.
لا أقول هنا إنني ضد المقدمات، أو ضدّ الإهداءات في الكتب، سواء أكان ذلك للمبتدئ في الكتابة أو للمتمرّس فيها، ولكني أعتقد أن المقدمة أو الإهداء ليستا من فروض العين في الكتابة، ولا هما من ضرورياتها، شكلا أو موضوعا، ولذلك فإن وجود أي منهما يجب أن يكون له ما يبرره، لدى الكاتب أولا، ثمّ لدى من يكتب المقدمة بعد ذلك، وبشكل ضروري.
لا بدّ وأن يكون الإهداء أمرا خاصا جدا، وله سبب خاص جدا أيضا. وهو ـ في غير بلادنا ـ يمضي نحو الذين تعبوا مع الكاتب خلال وقت الكتابة، مثل زوجته التي ساعدته، أو شعر بأنه أهملها خلال فترة تفرغه، أو مثل الذين عملوا معه في البحث، أو الذين دفعوه إلى الكتابة. أما في بلادنا، فكثيرا ما يذهب الإهداء إلى "أمي وأبي اللذين ربياني صغيرا"، مع أنه لا شكر على واجب كما نعلم، وأن من واجب الأم والأب أن يربيا.
من ناحية المقدمة، أستطيع أن أفهم رغبة الكاتب الجديد (حين يبحث عن تقديم) في أن يضع اسما مشهورا إلى جانب اسمه وهو يبدأ، وهذا أمر إنساني بحت، ومقبول، لأن الإقدام على وضع مغامرة كتابية أمام الناس، لا يكون عملا سهلا، عند الذين يملكون الموهبة، وهو يحتاج إلى تشجيع، ودعم كاملين، حتى وإن كانت الحالة مختلفة عند العاطلين منها (وما أكثرهم في زماننا، وكل زمان!)، لأنهم يقدمون على النشر بجرأة كبيرة، ويروّجون بقوة لما يخربشون، (أو يخربش لهم في بعض الحالات)، ويكادون يقنعون العالم بأنهم أعادوا اختراع الكتابة.
ما لا أستطيع أن أفهمه بالفعل، هو أن يقدم كاتب معروف على وضع اسمه بكل بساطة على غلاف كتاب لا يستحق، أو بين صفحاته، لأن ذلك لا يضيف إلى الكاتب شيئا، ولكنه يحطّ من قدره، ويوضح أن في الحماسة التي تعتري كلماته، إنقاصا لهذه الكلمات، ينسحب بكل تأكيد على كل ما يكتب، لسبب بسيط جدا، هو أنه يفقد مصداقيته حين يجد القارئ (أو الناقد) أن ما قيل في الكتاب مجاملة لا تعزز حال الكتابة البائسة.
أعرف أن المجاملة هي العامل الحاسم في كتابة معظم المقدمات، وإن كنت أستثني منها ما هو ضروري، وما يقوم على قناعة تامة بالموهبة التي تقدّم، وأعرف أن الخجل كثيرا ما يقف دافعا للكاتب، حين يلحّ عليه بعض العاطلين من الموهبة، فيتخلص منهم بأن يقذف كلمات عابرة يتمسكون بها، ويرفعونها علما في حملة الترويج التي يتقنون إدارتها، وإن كانت في النهاية ترسم نهايتهم في هذا المجال، الذي لا يستطيع الدخلاء أن يستمروا فيه، مهما تظاهروا، ومهما جندوا لأنفسهم من أتباع أو مستفيدين.
إنني أعيب، بكل وضوح، على أولئك الذين يخجلون، أو يحرجون، في أمر يتعلق بما كرّسوا أنفسهم له، ونجحوا فيه، وهو الكتابة. إن الذي يخجل لا يستطيع أن يبدع، لأن الصلة بين الذهن والحرف هي العري الكامل، لا عري الملابس، وإنما عري الذات بحثا عن صدقها. وحين تقف الرتوش المكتسبة بين ما في الذهن وما ترسمه الحروف، فإن الزيف هو الذي يطفو، فتنحرف الكتابة عن مسارها.
الخجل عدو الكتابة الإبداعية، وهو بالتالي عدو لكتابة المقدمة غير الضرورية، أيا كان الإغراء الذي يقف وراء ذلك، معنويا كان أو ماديا، (وقد عرفت كتابا كبارا جدا اعترفوا ـ أمامي ـ بأنهم سطّروا مقدمات، بثمن مادي). والمجاملة (لأي سبب) عدو أبلغ. وإذا كان كاتب المقدمة يظن أنه يحتمي بإبداعه الخاص من السقوط، ويعتبر ما يكتبه فيها عملا اجتماعيا، فإن عليه أن يحذر، وأن يدرك أن العمل الاجتماعي ـ لا الإبداعي ـ هو الذي "ينتجه" من يسعى إليه ليقدمه، لأنه لا يكون واثقا بأهمية ما يكتب، ولذلك يبحث له عن عكازة تسند، وتساعده في باب الترويج، الذي لا يتقن سواه.
في الواقع أن من المسيء جدا إلى أي كاتب معروف أن يتحول إلى عكازة إسناد لمن لا يستحق ذلك. إن المقدمة التي يكتبها من هو معروف لا يجوز أن تكون إلا لصالح موهبة يتحمس لها، ويختار ـ من ذاته، لا من إلحاح غيره ـ أن يقدمها للناس، إيمانا بأنه يقدم لهم شيئا إبداعيا إيجابيا سيكون له شأن، ولا يقوم بمجاملة اجتماعية، بسبب مصلحة ما، أو لأن الآخر أخجله، ولم يستطع أن يقول لا.
الأدب الحقيقي في أساسه لا يكون أدبا إلا إذا كان يبدأ من هذه "اللا" القوية والعنيدة والصادمة والصامدة. وأية مقدمة، يكتبها أديب حقيقيّ يفترض ألا تكون إلا في تزكية أدب يبشر بمثل هذا، ويكون أهلا للتنويه.
نقلا عن الأيام

