من المؤسف أن يعيش الشعب الفلسطيني بعد أكثر من مائة عام وضعا يسعى فيه أطراف مختلفون لإغراقه بسلسلة من الأكاذيب ووضعه في خانة اليأس والتخلي الكامل عن الحلم الذي طالما حمله الأجداد وأورثوه لأبنائهم وأحفادهم، حلم بسيط جدا، له أسماء متعددة، كلها تعادل مصطلح لـ"الكرامة"، التي تسمى "حق العودة" عند البعض، وتسمى "دولة مستقلة" عند البعض الآخر" أو " القدس " أو استعادة الأراضي المصادرة، ببساطة هذا ما تعنيه الكرامة الآن بالنسبة للفلسطينيين: الحرية وطرد الاحتلال وإزالة مفاعيله.
ولكن سلسلة طويلة من عمليات الخداع والتمويه جعلت البعض يشكك في إمكانية تحقيق الحلم، ألاعيب مورست على مدى 25 عاما، خدعوا خلالها الشعب بإمكانية أن هذا المسار الوحشي المسمى "أوسلو" هو مسار تحقيق الأحلام، ليكتشف الشعب أن هذا الدرب في الغابة المظلمة يقود في الحقيقة إلى كوخ الساحرة الشريرة كما في قصة الأخوين "غريم" وهناك يريد الجميع إنهاء هذه القصة عبر أكل الضحية وإزالة آثارها تماما.
الجميع كذب على الشعب الفلسطيني، وخصوصا قيادته التي أخفت الحقائق بخصوص هذا المسار وما سيفضي إليه وهذه القيادة ساهمت بشكل أساسي بوضع هذا الشعب في فم الوحش متعدد الرؤوس: ترامب ونتنياهو وكوشنير وغرينبلات، وابن سلمان وغيرهم.
في سياق هذا تطلق الإدارة الأمريكية ومبعوثاها إلى الشرق الأوسط حملة تضليل واسعة النطاق حول حقيقة الصراع، وحول حقيقة أنهم بالفعل يقومون بتنحية الحقوق الفلسطينية البديهية جانبا خدمة للكيان الصهيوني ولتنفيذ برنامج يميني تصفوي للقضاء تماما ليس فقط على أحلام الفلسطينيين وبعض حقوقهم بل القضاء عليهم، وهذا ما يسمى ببساطة "إبادة" سواء استخدم فيه سلاح المدفعية أو حجب المساعدات عن مرضى السرطان.
لاتقل أكاذيب غرينبلات في تقريره اليوم، خطورة طبعا، ولكم أكاذيب جاريد كوشنير جاريد كوشنير صهر الرئيس الأمريكي ومبعوثه إلى الشرق الأوسط، تتميز بأنها أكثر وقاحة، وهي تحولت إلى منهج قتال أكثر منها أكاذيب عادية، نتحدث هنا عن تصريحاته الأخيرة التي برر بها سياسات ترامب ضد الفلسطينيين بمناسبة مرور 25عاما، على توقيع اتفاق أوسلو.
جوهر هذه الأكاذيب هو الادعاء المشين بأن نظام العقوبات التي يفرضها ترامب ضد الشعب الفلسطيني بشكل جماعي، تجعل من الممكن التقدم بالسلام، بينما في الحقيقة هذه العقوبات لا شأن لها بأي سلام بل تستهدف سحق إرادة الشعب الفلسطيني وقدرته على الصمود في وجه عملية إخضاع منهجية تشنها إدارة ترامب مع/ وبالنيابة عن الحكومة اليمينية الفاشية في الكيان الصهيوني.
ومن الغريب أن سلسلة التعليقات المزيفة والمعتمدة على الأكاذيب التي تبثها إدارة ترامب تنطوي تحت ذات العنوان الذي يزعم ترامب أنه يتعرض للهجوم منه أي الأخبار والتقارير الزائفة إعلاميا، حيث يريد ترامب استخدام هذه المنهجية ضد الفلسطينيين وكأنه يعلن أن الحقيقة هي ما يصدر عنه وعن إدارته فقط رغم أنها كذبة يعاد تدويرها، كذبة يدركها جيدا العديد في الوسط السياسي الأمريكي، ولعل هذا ما عبرت عنه رمزيا عريضتين منفصلتين ضد سياسات ترامب تجاه الفلسطينيين وقع الأولى 36 عضوا في الكونغرس اتهمت بشكل واضح الإدارة بالسعي لإضعاف القيادة الفلسطينية وبث اليأس في صفوف الفلسطينيين، كما اتهمت الثانية التي وقعها ستة أعضاء آخرين الإدارة بـ"تجويع الفلسطينيين" لإجبارهم على الجلوس صاغرين إلى مائدة صفقة القرن، وهي مائدة نعرف أن من بسطها مجموعة من اللئام، ما يجعلها نموذجا تطبيقيا لذلك المثل الذي يدعى فيه مجموعة من الأيتام إلى مثل هذه المائدة.
لا يختلف جاريد كوشنير عن صهره في مسألتين على أقل تقدير، فهما تاجرا عقارات جاءا إلى السياسة ليعملا فيها وفق منطق السمسرة في وول ستريت، كلاهما جاهل تماما على ما يبدو حتى الآن بموضوعه، ومعرفتهما عن تعقيد الصراع في الشرق الأوسط، لا يتجاوز ترهات العهد القديم وأساطير التوراة، وكلاهما يميني معاد للشعب الفلسطيني، موضعا نفسيهما في موقع وسيط غير نزيه وفاشل في ادعاء النزاهة أيضا، ولا يترددان كحكم مرتش في إظهار ولاءهما لطرف على حساب الطرف الآخر.
يعتقد كوشنير مثل حماه أن أفضل طريقة لدفع الفلسطينيين للانخراط في محادثات سلام مزعومة تفضي إلى تجريدهم من كل شيء هي إخضاعهم عبر العقوبات الجماعية، وجعل منع المساعدات المالية وخصوصا تلك التي تأخذ شكل الطابع الإنساني، مستهدفة الرجال والنساء والمسنين والمرضى والأطفال، دون المساس بالأجهزة الأمنية التي تواصل وزارة الخارجية الأمريكية مدحها والثناء على أداءها التنسيقي مع أمن الاحتلال والمساهمة في حمايته.
ما يثير الغضب والاستهجان هو أن هذه الوسيلة ذاتها تستخدمها السلطة الفلسطينية في رام الله، ضد قطاع غزة، حيث يعتقد الرئيس محمود عباس ومساعدوه أن التضييق على عزة ومواصلة حرمانها من مقومات الحياة هو الطريق لإخضاعها واستسلامها الكامل لهذه السلطة ومعاييرها.
وأكثر من ذلك، في الوقت الذي تروج فيه الدعاية المركز الأمريكية والصهيونية على أن محمود عباس يشكل العقبة في طريق التحرر الفلسطيني "من إرث تونس" كما يزعمون، وأن التخلص منه في سياق التخلص من منظمة التحرير يفتح الآفاق الفعلية نحو حل أو طريق للسلام كما حلل دورون ماتزا في مقال غارق في البؤس الأخلاقي للصهيونية المعتادة نشر في مكور ريشون، فإن الغرابة الإضافية هي أن عباس هو نفسه مع شركائه الآخرين من أسس لهذا المسار بالذات، والذي وضع البنى الفعلية للطريق الذي قطعه حتى الآن متمسكا، بقشور أوسلو وصخب الأضواء الاحتفالية في البيت الأبيض، وبسجادته الحمراء القانية، ولمن أيضا، متمسكا بالجوهر الأوسلوي الذي سيطيح به في النهاية، تقديس أمن العدو، وحمايته وتبني خططه في حصار شعبه، مواصلة القول أن أوسلو كان صحيحا ولكن التطبيق كان خاطئا، متجاهلا بتعنت أن أوسلو في الحقيقة لكم يكن مجرد تلك الأوراق الموقعة، بل الهمسات بين المتفاوضين، والوعود الغامضة، والتقارير السرية، والمؤامرات والألاعيب التي أحاطت بهذه الأمور، أوسلو أكبر بكثير من رزمة الورق التي لن يحل أي شيء بحرقها، ولكن على الأغلب سيكون حرقها هو البداية الصحيحة.
في ظل هذا كله يواصل ترامب هجومه الشامل كما قلنا أعلاه على الشعب الفلسطيني، وهذا النوع من الاستهداف الجماعي للشعوب وفئاتها الضعيفة ليس جديدا وليس اختراعا خاصا بإدارة ترامب، فهو ليس في النهاية سوى استمرار لتاريخ طويل من الجرائم التي مارسها المستعمرون ضد الشعوب المستعمرة؟، الضعيفة، التي خذلها العالم في أوقات مختلفة، وللمفارقات التاريخية كان الإنكليز أثناء حرب البوير هم من أدخل ما يسمى بمخيمات "الاعتقال الجماعي" لحصر وعزل الشعب العدو أعوام 1899-1902 وهذا التكتيك استخدمه البوير عندما أصبحوا هم "الأسياد" وكذلك استخدم من قبل النازيين واستخدمه الإيطاليون في ليبيا والفرنسيون في الجزائر، وهذا الأسلوب الوحشي وغيره من الأساليب استلهمته "إسرائيل" في حربها الوحشية ضد الفلسطينيين وفي قطاع غزة.
يرى بيل لو، في ملاحظة ثاقبة، أن كوشنير وترامب جلبا معهما من سوق العقارات في نيويورك الوسائل الوضيعة التي يستخدمها السماسرة وتكتيكاتهم التي تستهدف تجريد الخصم وإخضاعه: لديك مستأجر عنيد وتريد إخراجه للحصول على الممتلكات فعليك أن تجبره على قبول شروطك وجعل حياته اليومية شبه مستحيلة، ولكن المفارقة هنا أن أهل غزة ومن ثم الفلسطينيين ليسوا مستأجرين بل أصحاب العقار الشرعيين وهكذا، بسلسلة من الهجمات الوحشية وتجفيف الموارد كما حجب المساعدات واغتيال الأنروا وبقوانين لا تفتقر إلى الخسة كقانون "سرقة الأراضي" الخاص بشرعنة البؤر الاستيطانية، يريد هذان السمساران من الناس التخلي عن ممتلكاتهم تماما.
كما قلنا، من المؤسف أن القيادة الفلسطينية متساوقة تماما مع هذه اللعبة المتوحشة، وأتحدث هنا عن طرفي الانقسام الفلسطيني الذين لايمكن اعتبار مسؤوليتهما عن الكارثة متفاوتة بل هي متساوية تماما كل ما في الأمر أن كلا منهما يلعب في حقله وتتسلط عليه الأضواء أكثر أو أقل حسب الكارثة التي يرتكبها.
من المؤسف أن دليل الرحلة، حادي الركب للقافلة الفلسطينية في هذه المرحلة تبين أنه يتعامل مع الذئاب في الغابة، ومع الساحرة في الكوخ، ويبدو أن الشعب الفلسطيني يقف الآن أمام عتبة تاريخية، تتطلب منه ليس تغيير روايته ولا إسقاط حلمه، بل تغيير الدليل المخادع، والتخلص من السمسار

