النخبة في أمريكا تشكل عادة طريقاً متجانساً، حتى وإن اختلف الطريق الذي يضمها من رئيس لآخر، فكل رئيس يختار من أعضاء مركز أو أكثر من مراكز الفكر السياسي، من يصبحون فريقاً متكاملاً ممن يجد أنهم أقرب إلى تفكيره أو أيديولوجيته.
وعلى سبيل المثال، كان رونالد ريجان، قد اختار عند توليه الحكم في الثمانينات 36 من أعضاء عدد من مراكز الفكر السياسي، في مقدمتها معهدا «أمريكان انتر برايز»، و«هير يتاج»، ليوزع عليهم المناصب الرئيسية في حكومته، من وزيري الخارجية والدفاع، ومستشار الأمن القومي، إلى بقية المعاونين في البيت الأبيض، وكلهم من أصحاب التوجهات اليمينية.
وسار على نفس النهج الرئيس بوش الأب، وإن اختلفت اختياراته عن ريجان، فهو بحكم خبرته الطويلة في السياسة الخارجية، عبر المناصب المتنوعة التي تولاها، وأيضاً رغبته في إيجاد سلام تفاوضي في الشرق الأوسط، من خلال دور أمريكي حقيقي وفعال، فقد انتقى من هذه المراكز عدداً متنوعاً في طريقة التفكير، وفي الرؤية السياسية، إضافة إلى اثنين من أصحاب المصداقية السياسية، والتجرد من الخضوع لحسابات السياسات الداخلية، وهما جيمس بيكر، وزيراً للخارجية، والجنرال برنت سكوكرفت، مستشاراً للأمن القومي، بحيث وصفت سياسة إدارته ب«الواقعية السياسية»، التي تراعي مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة.
نفس النهج في اختيار النخبة، سار عليه من بعده، بيل كلينتون، لكن الأمر اختلف تماماً مع رئاسة بوش الابن، الذي اختار فريقه بالكامل من معهد «أمريكان انتربرايز»، المعروف اصطلاحاً ب«قلعة المحافظين الجدد»، الذين يجمعهم فكر موحد بالانحياز ل«إسرائيل»، والهيمنة الأمريكية على العالم.
وتاريخياً تعد مراكز النخبة رصيداً استراتيجياً للدولة، والنبع الذي ينهل من أفكاره الرئيس، بالنظر إلى أن النخبة هي منتجة الأفكار، التي تسعف الرئيس وإدارته، بتصورات ورؤى لقضايا السياسة الخارجية، والتعامل المستقبلي مع التحديات العاجلة وأيضاً بعيدة المدى، أو حسب التعبير الدارج، أنها مراكز صناعة السياسة الخارجية.
لكن هذا المسار طرأ عليه تغيير جذري مع تولي دونالد ترامب الرئاسة، فهو منذ حملته الانتخابية كان قد اتخذ موقفاً رافضاً ومعادياً للنخبة بوضعها التقليدي في التاريخ الأمريكي، ومن ضمن تصريحاته التي عبرت عن هذا التوجه، قوله إن أمريكا تمشي في الطريق الخطأ تحت قيادة النخبة السياسية، وساعد ترامب على التمسك بهذا الاتجاه أن الذين أعطوه أصواتهم، هم ممن أطلق عليهم الإعلام الأمريكي وصف «ائتلاف الغاضبين والمحبطين»، والذين أظهرت استطلاعات الرأي، رفضهم لاحتكار النخبة النفوذ على قرارات السياسة الخارجية.
واتساقاً مع هذا النهج، ابتعد ترامب في اختياراته لمعاونيه عن النخبة من أول يوم له في البيت الأبيض، واختار فريقاً لا يجمعه أي تجانس فكري، يتوزع غالبية أعضائه بين رجال أعمال، وعسكريين سابقين، وهم ليسوا من أصحاب الفكر السياسي، أو الخبرات التقليدية لأعضاء النخبة، ما أفقد الطريق الانسجام المطلوب، وهو ما أسهم في تزايد الاختلافات بينه وبينهم، وأدى إلى موجة من التغييرات المتلاحقة في صفوفهم، واستبدالهم بغيرهم، إلى أن انتهى الأمر بترامب إلى ضم من يعرفون أمريكياً ب«غلاة اليمينيين»، سواء ممن يرتبطون بجماعة المحافظين الجدد، مثل جون بولتون مستشاره للأمن القومي، أو المتعصبين أيديولوجياً ل«إسرائيل»، مثل مايك بومبيو، وزير الخارجية، إضافة بالطبع إلى وجود مايك بنس، نائباً للرئيس، وهو من قادة ائتلاف المسيحية الصهيونية.
المشكلة أن ترامب خرج بقطار السياسة الخارجية عن القضبان، التي سار عليها من سبقوه من الرؤساء، فأصبحت سياساته نهباً للتناقض والتضارب، وتكون مصدر قلق وشك وحيرة لدى حتى الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة.

