Menu

القيم الأممية في خطر

كمال بالهادي

مع بدء اجتماعات الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة، يبلغ التوتر مداه الأقصى بين القوى الدولية، وفي وقت ترتفع فيه حدة الأزمات الاقتصادية، والسياسية، والأمنية. 

آخر فصول هذه التوترات، هي الأزمة الجديدة بين قطبي العالم، أي الصين و الولايات المتحدة، بعد أن فرضت الأخيرة عقوبات على الجيش الصيني بسبب عقده صفقة لشراء أسلحة روسيّة.

إنّ هذا الوضع الدّولي يجعل القيم الأممية التي من أجلها تم إنشاء منظمة الأمم المتحدة في خطر. فلا السلام الدّولي بات الحفاظ عليه ممكناً في ظلّ ارتفاع درجات حرارة «الحرب الباردة» بين الصين والولايات المتحدة إلى مستويات قصوى، ولا قيم التعاون والتضامن بين شعوب العالم، باتت مضمونة، خاصة مع توجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى «صفر أصدقاء» في علاقات البيت الأبيض الدّولية، وقرارها سحب المعونات من كثير من الهيئات الدّولية التي تقدم خدمات لشعوب العالم في المناطق المنكوبة. أما مبدأ «تقرير المصير»، فيبدو أنّه لم يدخل بعد في ثقافة رؤساء الولايات المتحدة، لأنّ التدخل في شؤون الدّول، وفي اختيارات الشعوب، لم يكن مبدأ محترماً من قبل الولايات المتحدة التي تقف وراء كلّ الأزمات المندلعة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

الدورة الثالثة والسبعون لاجتماعات الأمم المتحدة لن تأتي بالجديد، ولن تقرر ما إذا كان الوضع الدولي يحتاج وقفة جامعة من أجل إنهاء النزاعات والحروب، والتوجه نحو قضايا مكافحة الفقر والجوع، والهجرة غير الشرعية، والاتجار بالبشر، والمخدرات، وغيرها من الجرائم الدولية المنظمة التي باتت عناصر عدم استقرار في كثير من دول العالم. وعلى الرّغم من وجود محاولات جادة لإنهاء النزاعات، خاصة في دول مثل اليمن وسوريا، إلاّ أنّ الأزمات والحروب الأهلية تبقى شاغلاً رئيسياً في وقتنا الراهن، مع وجود قوى دولية لا تسعى إلى إنهاء تلك الأزمات، بل تعمل على استدامتها.

والخطير في هذا الوضع الراهن هو درجة الاحتقان بين القوى الدولية الكبرى، ما قد يجعل العالم يعيش دوامة عنف أكثر قسوة ما عايشناه في السنوات السبع الماضية. ويتعلق الأمر بحدة الخلافات بين واشنطن وبكين، وبين واشنطن وبروكسل، وبين واشنطن وموسكو.

الحرب التجارية التي بدأتها واشنطن منذ شهر مايو/ أيار الماضي، بعد أن فرضت رسوماً جمركية على واردات الصلب والألمنيوم، من الصين، ثم بعد ذلك على الواردات نفسها من أوروبا، تم اعتبارها تمرّداً أمريكياً على قوانين منظمة التجارة العالمية. وردّت الدول المستهدفة بالمعاملة بالمثل، ما تم اعتباره حرباً تجاريّة، أسقطت قوانين منظمة دولية، كانت تعتبر إلى وقت قصير قوانين «مقدّسة»، لم تتجرّأ أي دولة على تجاوزها. واستمرار المناوشات التجارية بين هذه القوى الكبرى، سيجعل بقية دول منظمة التجارة العالمية، تطرح على نفسها سؤال الجدوى من الاستمرار في التقيّد بقوانين لا يحترمها الكبار. وهذا يعني أنّنا مقبلون على عصر فوضى تجاريّة، واقتصاديّة، سيكون البقاء فيها للأقوى، ثم تقع إعادة ترتيب المنظمة، بقوانين جديدة تخدم «المنتصر/ المنتصرين»، وتسحق بقية شعوب العالم، وتفرض عليها تبعيّة دائمة. 

غير أن الخطر الأكبر في هذه المرحلة، هو رفع مستوى الصراع من المستوى الاقتصادي إلى المستوى العسكري الصريح. فالولايات المتحدة قررت فرض عقوبات جديدة على الجيش الصيني بسبب توقيعه صفقة لاقتناء طائرات سوخوي الروسية، ومنظومة «إس 400» الصاروخية، ما اعتبرته واشنطن تهديداً حقيقياً لوجودها في الشرق الأدنى، خاصة أن السلاح الروسي ينتشر بصفة سريعة في دول تصنفها واشنطن ضمن «الدول المعادية». العقوبات الأمريكية اعتبرتها الصين إهانة لجيشها، وقامت باستدعاء السفير الأمريكي في خطوة تؤشر إلى انتقال الحرب إلى المستوى الديبلوماسي، وهو ما يعني أيضاً أنّ التّنين الصيني لن يقبل مستقبلاً بمزيد من التحرشات الأمريكية، وأن الصين قد لا تبقى مكتوفة الأيدي، وقد تنتقل سريعاً من مرحلة «الدفاع « إلى مرحلة الهجوم والمبادرة، وهي تمتلك من أوراق القوة ما يجعلها قادرة على إنهاء العصر الأمريكي. ولعلّ مشاركة الصين في مناورات «فوستوك» «الشرق»، في روسيا، تحمل أكثر من دلالة، خاصة أنّ تلك المناورات قيل عنها إنها الأضخم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وبسبب هذه المناورات استشعرت واشنطن الخطر القادم إليها من الشرق.

الرئيس الأمريكي يبدو أنه مصرّ على المضي إلى الأمام في تقليص عدد أصدقاء واشنطن، حتى يكاد يبلغ عتبة صفر أصدقاء على الأقل في مستوى القوى الدولية الكبرى. بل إنّه ماض في سياسة التدخل في شؤون الدول الأخرى، من دون أي اعتبار لقيم مبدأ تقرير المصير. فما يحدث في دولة فنزويلا، هو عنوان مباشر لحملات واشنطن في أمريكا اللاتينية لإسقاط الأنظمة التي تعتبرها «معادية «، وتركيز أنظمة موالية تخدم مصالحها، خاصة في دول تعتبر إحدى أهم الدول المنتجة للنفط في العالم. 

سيجتمع زعماء العالم المؤمنون بحق «تقرير المصير»، وسيلقون خطابات، هي في مجملها دفاع عن مصالحهم، وعن رؤاهم، وعلاقاتهم الدولية، وسينتصبون يحاكمون هذه الدولة أو تلك، ولكن لا أحد منهم سيقدر على الانتصار لحق تقرير مصير الشعب الفلسطيني، سيقولون كلاماً مكرراً منذ سبعين سنة، وسيدافعون جهاراً عن أمن «إسرائيل» التي صنعوها لتكون حجر عثرة أمام حق الشعوب العربية في تقرير مصيرها. 

لا أحد سيثق بخطاباتهم، ومقر الأمم المتحدة بات حلبة صراع بين الأقوياء، أمّا الضعفاء، فلا أمل لهم في عالم تسود فيه القيم الأممية.