في طريقه إلى نيويورك لحضور الدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وإلقاء خطاب أمامها، حط رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في باريس، والتقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل أن يتوجه إلى دبلن، وكان له لقاء مع رئيس الوزراء «الإسرائيلي» السابق، الخارج من السجن قبل عام، إيهود أولمرت، وقد تأكد للجميع أن كل ما فعلته وأضافته إدارة ترامب من أدلة على فشل السياسة القائمة على مخرجات «اتفاق أوسلو» واعترف بفشلها رموز السلطة، لم تزحزحه عن سياسة التمسك بمواقفه!
فبعد لقائه الرئيس الفرنسي ماكرون، صرح عباس موضحاً: «نحن لم نرفض المفاوضات إطلاقاً، ومستعدون للتفاوض سراً وعلناً برعاية دولية. نتنياهو هو الذي يعطلها»! تصريحه يبين أن «الرعاية الدولية» التي يقصدها هي رعاية «الرباعية الدولية»، وهي التي لم تكن سوى إطار لطرح الأفكار الأمريكية، ولشهادة الزور التي كان يقدمها الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، والتي اختفت بعد أن أصبح توني بلير مبعوثاً لها! بعد ذلك جاء لقاؤه «الحصري» مع أولمرت، الذي بثه (تلفزيون فلسطين) والذي أشاد فيه بالرئيس عباس كزعيم «عظيم سعى دائماً إلى السلام مع إسرائيل»، دون أن ينسى أن يعلن أن «حل الدولتين» هو الحل الوحيد للصراع «الإسرائيلي- الفلسطيني»، وأنه ممكن أن يتحقق!
وفي ظروف كان فيها الوضع الفلسطيني أفضل بكثير مما هو عليه اليوم، وكانت قد وضعت كل بيضها في السلة الأمريكية، لم تستطع «السلطة» أن تقلل من انحياز الولايات المتحدة للعدو الصهيوني الغاصب. وهي اليوم الذي تقول فيه إنها نفضت يديها من المراهنة على «الدور الأمريكي»، تريد أن تعيد الحياة للرباعية الدولية، والتي مازالت أمريكا عمودها الفقري، بعد أن «رفضت» صفقة ترامب وخطة سلامه. فكيف يكون ذلك؟ أم هي محاولة للنزول عن الشجرة التي صعد عليها الرئيس دون حساب للعواقب؟ أو هي محاولة لملء فراغ بأدوات لم تملأه على مدى ربع قرن! رئيس أركان الجيش «الإسرائيلي» غاد إيزنكوت وحده «توقع» أن «يفاجئ» الرئيس المجتمعين في الأمم المتحدة بأن يعلن «تسليم المفاتيح» للسلطات «الإسرائيلية». من أين جاء بهذا التوقع، وعلى أي أساس استند؟ لا أحد يعرف على وجه الدقة، لكن توقعه سيخيب بالتأكيد!
كل تصريحات ومواقف السلطة الفلسطينية، رغم اعترافاتها الكثيرة بفشلها وفشل «أوسلو»، تشير بوضوح إلى تمسكها بالاتفاق وسلطته، وتمسكها ب«الأوهام» التي بنتها على الرمال والملح، وأنها ستظل تدور في حلقتها المفرغة إلا من الأوهام والمفاوضات، لأنها ببساطة لا تملك غيرها، وفي الوقت نفسه لا تريد أن تفسح المجال لغيرها، فالفاشل في دنيا العرب عموماً لا يتنحى ولا يستقيل ولا يذهب إلا بأسوأ الطرق والأساليب! الرئيس عباس يذهب إلى الأمم المتحدة «ليذكر المجتمع الدولي بمسؤولياته»، فماذا كان يفعل في خطاباته السابقة التي ألقاها في المناسبة لسنوات سابقة؟ المجتمع الدولي لا ينسى ولا يتذكر، فالخطابات بالنسبة إليه مجرد خطابات، كلمات، والكلمات لا تصنع واقعاً إن صدرت عن ضعيف أو عاجز! وإذا لم «يتذكر» هذا المجتمع مسؤولياته في كل السنوات السابقة، فلماذا يتذكر اليوم والوضع في أسوأ حالاته؟!
إن من يحتاج إلى تذكير بمسؤولياته ليس المجتمع الدولي، بل الرئيس عباس وقيادته، هم في حاجة إلى تذكير بأن هناك وطناً سُرق بكامله ولم يبق منه ما يفاوض عليه، وأنه صار كله تحت الاحتلال، والمطلوب إنهاء احتلاله، وأن هناك شعباً تحت الاحتلال يطلب الحرية والاستقلال. وإذا كانت الصدف أو الأقدار قد أوصلته ليتكلم باسمه، فالكلام لا يفيد إن لم يصدقه العمل. والعمل الذي يمكن أن يفيد هو العمل المنتح، القائم على المقاومة ومواجهة المحتل بكل الطرق والأساليب.

