لا يسع جماعة متطرّفة أن تستقّر على قرار كبير بحجم مباشرة العمل المسلّح، ضدّ السلطة في بلدها أو ضدّ جماعات اجتماعيّة أخرى، إلاّ إذا هي وفَّرت لذلك العمل بناهُ التحتية، من مالٍ وسلاح ومقاتلين وغطاء سياسيّ؛ وهي التي تجعل العمل ذاك ممكناً وفعّالاً. في ما مضى من الزمن، كانت الجماعات الإرهابيّة متواضعة الإمكانات ومحدودة الأهداف، يميل بعضها إلى أسلوب الاغتيالات؛ اغتيالات رموز السلطة، أو إلى عمليات محدودة ضدّ مراكز الأمن والشرطة أو ضدّ مؤسسات مالية واقتصادية وسياحية، بأسلوب الهجمات المباغتة والاشتباكات السريعة، أو التفجيرات، أو خطف الرهائن والتفاوض على الفِدية... إلخ. وما كانت العمليات، التي من هذا النوع تتطلب من الإمكانات العسكرية إلاّ قليلها؛ فالسلاح الذي تحتاج إليه يمكن سرقته من الثكنات الأمنية والعسكرية، أو يمكن اقتناؤهُ من تجار الأسلحة والمهرّبين على الحدود؛ والعاملون في الجماعات تلك يمكن أن يتلقوا تدريباً محدوداً لا يحتاج إلى معسكرات خاصة، كما يمكنهم أن يكتفوا من الخبرة بما سبق وتلقّاه بعضُهم منها في التجنيد العسكري (الإجباري في عديدِ من البلاد العربيّة).
اليوم، اختلفت بنى الإرهاب ومجموعاته وأهدافه، وتضخَّم جيشُها وإمكاناتُها بتضخُّم أهدافها. لم يعد الإرهاب يكتفي بإيذاء السلطة، قِصاصاً منها أو تحدياً لها، وإنما أمسى يتطلع إلى حيازتها بالقوّة أو، عند العجز عن ذلك، إلى الاستيلاء على ما يمكن الاستيلاء عليه مما يقع تحت سلطانها من مناطق ومقدرات ومؤسسات. ولأنه انعطف، بأهدافه، كل هذه الانعطافة الكبرى والخطرة؛ ولأنها (انعطافة) حصلت في سياقات ارتباطاتٍ له بمخابرات أجنبية - بدأت منذ تجربته في أفغانستان في الثمانينات من القرن الماضي - ولأنّ البلدان التي سيقع عليها فعْلُه مطلوبٌ رأسُها من دول كبرى، فقد تدحرج إلى أوضاع وجَد فيها نفسه مدفوعاً إلى التعامل مع قوى الخارج؛ ليوفّر لنفسه الأوَد: موارد المال والسلاح والمعلومات الأمنيّة الاستخباريّة.
ليس يعْنينا، في هذا المقام، أن نبحث في الوظائف التي أدتها، وتؤديها، الجماعات الإرهابية داخل الاستراتيجيات الكونية والإقليمية للدول الكبرى الداعمة لها (فقد تناولنا ذلك في مناسبات أخرى سابقة)، وإنما يعنينا أن نشدّد على أن فعل الإرهاب أعيد تصنيعه وهيكلته منذ تجربته العسكرية في أفغانستان، وأعيد تأليف برنامج عمله، منذ ما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، ليستقيم وضعُه على نحو جديد. وفي الأثناء، كان يتحول من مجرد عمل طائش؛ متهوِّر ومرتَجَل، إلى صناعة كاملة تحولت بها جماعاتُه من مجموعة محدودة الأفراد إلى ميليشيات منظمّة؛ بل إلى جيوش جرّارة؛ تسيطر على مدن كبيرة ومناطق واسعة، وعلى مطارات وقواعد عسكريّة وثكنات ومصانع، وآبار نفط، وتُقيم دولاً وكانتونات هنا وهناك، وتطبّق نظامها التعليمي على مئات الآلاف من التلامذة، وتشريعاتها المجحفة على ملايين النساء، وتُحْيي نظام الجزية التقليدي فتفرضه على مئات الآلاف من المسيحيين العرب، الذين أوقعتهم الظروف في قبضة نظامها... إلخ! إنّ إرهاباً بهذه القوة وهذا التضخم المَهُول لم يكن ممكناً له أن ينشأ لولا التغذيّة الماليّة والعسكرية والاستخبارية والسياسية التي تلقاها من دولٍ خارج حدود المناطق والبلدان التي كانت مسرحاً لأعماله، وما كان له - لكي يصير بهذه القوة - أن يكتفي باعتماد موارده الذاتية أو المحلية إلا متى مكّنهُ الدعمُ الخارجيّ من السيطرة على مناطِق تقع فيها مصادِر الثروة.
وهناك، إلى جانب الدعم القتالي والمالي، الدعم اللوجيستي؛ وهو شرطٌ تحتي لنجاح أي جماعة إرهابية في مواجهة القوى النظامية واستنزافها؛ إذْ ليس في وسع أي جماعة من هذا النوع أن تتماسك ميدانياً، وأن تسيطر على مناطق وتدافع عنها، دون قواعد خلفية تزودها بالعتاد العسكري والمقاتلين، وقوافل التموين الغذائي والطبي، والمستشارين العسكريين في بعض الأحيان. ولمّا كانت إحدى سمات الإرهاب، اليوم، أعني في عصر العولمة، أنه عابر للحدود والأوطان وأمميُّ الطابع، بحيث تلتحق بقواعده جحافلُ من المقاتلين الأجانب ممن يجندهم التنظيم الإرهابي في الخارج، أو يُجنَّدون له من قوى أجنبية، من الأصقاعِ كافّة، فإنّ تدفُّق هؤلاء المقاتلين عليه والتحاقهم بجبهته، ناهيك بتدفق السلاح وقوافل التموين، هي من الأمور التي تقتضي وجود دولة مجاورة تضع أراضيها وقواعدها وحدودها في خدمة عملية تزويد الجماعات الإرهابية بحاجاتها الحيوية إلى القتال. وهكذا لا يعود الإرهاب مجرّد قرارٍ ذاتيٍ تتخذه جماعة متطرفة، داخل بلد ما، للتحرُّك والعمل العسكري ضد السلطة في البلد ذاك - مثلما كان أمرُهُ في مراحله البدائية السابقة التي سرعان ما كانت تخمد فيها جذوتُه - وإنّما بات فعلاً مُداراً من الخارج إدارةً استخباراتية محكمة تكاد حصّةُ قادته (الإرهاب) فيها (أي الإدارة) تكون رمزيّة أو، في أفضل أحوالها، محصورة في التنفيذ الميداني.

