Menu

أبعاد ثلاثية خاشقجي

حاتم استانبولي

اختفاء خاشقجي في 2 من أكتوبر ترك تداعيات طالت ثلاث عواصم وملحقاتها.

المتابع يرصد أنه حتى الآن لم يصدر بيانًا سعوديًا من الداخلية أو الخارجية يُعلن أن مواطنًا سعوديًا قد فقد أثره ليُطلَب من الأجهزة الدولية البحث عنه. وبذلك تؤكد رواية القنصل السعودي بأن خاشقجي قد خرج بعد أن أنهى معاملاته بخصوص حالته المدنية وهذا لم يحدث. وبقيت بياناتها في إطار التهم عن مسؤوليتها بالاختفاء أو التصفية.

ثانيًا: إن الداخلية التركية لم تصدر أي بيان رسمي حتى اللحظة يوضح مصير خاشقجي، سوى تسريبات صحافية تؤكد نقلًا عن مصادر رسمية تركية تؤكد مقتل خاشقجي في القنصلية السعودية، التي من المؤكد أنها وحسب بعض التسريبات رصدت الاغتيال من خلال أجهزة التنصّت التي زرعتها في القنصلية، وهذا إذا ما تأكد فإنه سيرتدّ سلبًا على الموقف التركي، وأما عن الساعة فإنها استخدمت غطاءً للتغطية على أجهزة التنصت المزروعة.

ثالثًا: الإدارة الأمريكية تأخرت في إعلان مواقفها وسربت أن أجهزة الأمن التابعة لها رصدت مكالمات تؤكد نية طرف مؤثر في المملكة استدراج خاشقجي للسعودية بعد فشل تطويعه.

رابعًا: المخابرات البريطانية سربت هي الأخرى معلومات تفيد بأن خاشقجي قتل في القنصلية السعودية في اسطنبول، وهذا يتقاطع مع التسريبات التركية. ناهيك عن تسريب الـBBC حديثًا تحت الهواء لخاشقجي يفيد بأنه مستهدف من مملكته.

من الواضح أن خاشقجي واختفاءه أو تصفيته دخلت في المزاد العلني السياسي والمالي. وأطلقت حملة متعددة الاتجاهات والسقوف من أجل استثمارها في صرف شيكات ديّة تعويضات دم خاشقجي.

قانونيًا: إذا ما تأكدت معلومة عدم خروج خاشقجي من السفارة، فإنّه يعتبر اختفى، أو متواجد على أرض سعودية، أي أن السفارة وقنصلياتها هي تحت السيادة والقاون السعودي، وهي تتحمل الجوانب القانونية لاختفائه أو اعتقاله أو تصفيته، ويعد جزءًا من الممارسات التي قامت بها العائلة المالكة في حل خلافاتها مع معارضيها، ولنا مثلٌ في حادثتين سابقتين أُعلِن عنهما، وهي اعتقال الأمراء ورجال الأعمال السعوديين في فندق هرتز، ومساومتهم على ثرواتهم مقابل إطلاق سراحهم، وهذا العمل الجميع يذكر أنه لاقى امتعاضًا في بعض العواصم، وترحيبًا من أخرى، وكان دفتر الشيكات هو الحل لتجاوز هذه الحادثة.

والحادثة الثانية كانت اعتقال رئيس وزراء دولة لبنان الحريري، تحت عنوان أنه مواطن سعودي وتجاوزت بذلك كل الأعراف الدبلوماسية والقانونية الدولية. ولولا إصرار رئيس الدولة اللبنانية مدعومًا من قوى لبنانية فاعلة ومؤثرة للاقى الحريري مصيرًا لا يعلم أحد عواقبه، خاصة وأنه قدم استقالته تحت التهديد، وبذلك تكون أسقطت الصفة القانونية الرسمية عنه كرئيس وزراء لبنان واستمر اعتقاله تحت عنوان المواطنة السعودية.

سياسيًا:

إن قضية خاشقجي استُثمرت لإعادة تموضع الموقف التركي الأمريكي في سورية والخليج، ومن الممكن أن تُستَثمر من قبل القيادة التركية من أجل فك الحصار عن قطر كأحد الأثمان لتجاوز الاتهام السعودي، وهذا سيلقى تجاوبًا أمريكيًا لإعادة ترتيب بيت حلفائها وتحويل صراعهم إلى اتفاق وأبدت أنقرة استعدادها للمساومة من خلال الإفراج عن القس الأمريكي.

هذا سينعكس على المواجهة في المنطقة، وعلى ما يبدو فإنّ رفع السقوف يدخل في إطار الابتزاز السياسي والمالي للرياض وحلفائها في الرباعية الإماراتية السعودية البحرين ية والمصرية.

وإذا ما اشتد الضغط على الرياض فإنها من الممكن أن تلجأ لخيارات مغامرة تطال سيادة الإمارة القطرية لتوسيع المشكلة للخروج من المازق الدولي أو على الاقل التلويح بهذا الخيار إذا ما رفض حلفاؤها في أبوظبي والمنامة والقاهرة خيار إعادة قطر إلى الحظيرة الخليجية.

هذا الاحتمالُ من الممكن أن يكون أولوية إذا ما نجح الديمقراطيون في انتخابات الكونغرس في نوفمبر.

البعد الأخلاقي:

يدخل في سياق رفع سقف الابتزاز، وهذا البعد يسقط وتنكشف مبرراته عندما نرى يوميًا آلاف الأطفال والنساء والشيوخ في اليمن يتساقطون كل يوم بفعل القصف السعودي الذي يستخدم أسلحة باريس ولندن وواشنطن ،ناهيك عن آلة القتل الإسرائيلية لأطفال ونساء وشيوخ غزة المحاصرة إضافة للقصف الوحشي بالفسفور الأبيض لقرى دير الزور وما تكشف عن مجازر ارتكبها التحالف في الرقة .

من الواضح ن قضية الخاشقجي إن كان مخطوفًا أو مقتولًا أو مُقطّعًا أخذت أبعادًا سياسية، وعلى ما يبدو ستحل في إطار المساومة السياسية لتدوير زوايا المصالح الإقليمية التي ستطال الشمال السوري وشرقه وكذلك الخلاف الخليجي الذي إذا ما نجح سيكون مدخلًا لإعادة تفعيل فكرة (النانو) الخليجي التي تواجه عقبة كويتية قطرية.

الحقيقة الوحيدة أنّ خاشقجي هو الخاسر الوحيد، واعتبره البعض المؤثر في السعودية أنه من مناصري إدارة أوباما وهنا التقت المصلحة السعودية مع مصلحة إدارة ترامب. ترامب أمامه حتى الانتخابات في نوفمبر وقت ضيق من مصلحته استثمار الحادثة انتخابيًا للابتزاز السياسي والمالي وإطالة حلها لما بعد الاستحقاق الانتخابي.

الملاحَظ أن موقف موسكو المتفرج يراقب بدقة ما يجري ويعيد جدولة أولوياته في المنطقة على قاعدة أن الحلف الثابت يمتد من بيروت ودمشق وطهران وموسكو مرورًا ببغداد. مع إعادة التذكير بأن اتفاق ادلب هو اتفاق مؤقت يدخل في إعادة ترتيب الأوراق في الميدان السوري إذا ما أضفنا له تأكيد لافروف بأن الجولان السوري المحتل يحل في إطار القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الامن الدولي.

فجأةً أصبح دم خاشقجي له عدة وكلاء، وكل وكيل طرح ظرفًا مختومًا لتحديد سعر دمه.

في النهاية، المملكة بالنسبة لهم هي ما تملكه من أرصدة مالية ودور يلبي مصالحهم الاقتصادية والسياسية الإقليمية والدولية وتوظيف إمكانياتها للتلاعب في السوق النفطية ومنفذًا لحل أزماتهم المالية.