استوقفني هذا الاستسهال في التطبيع الخليجى مع الكيان الصهيوني، بحيث باتت الدول المطبعة هي القاعدة بينما الدول غير المطبعة تمثل الأقلية .
ما تفسير هذه الحال وما هي العوامل التي أوصلتنا إلى هذه الصورة ؟
علينا رصد التغييرات التي أثرت في القضية الفلسطينية، باعتبارها القضية المحورية في النظام العربى .بل ان تاريخ القضية ارتبط وبشكل وثيق مع صعود الايدولوجيا القوميه. تلك الايدولوجيا التي نظرت للصراع عى أساس انه صراع. وجود، وليس صراع حدود ولا يمكن التوافق بين الصهيونية والحركة القومية العربية .
كانت زيارة السادات بمثابة الموجة الأولى لتلك التغييرات. وعلى الرغم من خطورتها وما أحدثته من تغيير في موازين القوى، .إلا أنني اعتقد أن ما أقدم عليه الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني وما توصل إليه من اتفاقات سلام كانت الأخطر لأنها شككت في الأساس الفكري للرؤية القومية، من خلال قبولهم بالاتفاق وفصله عن القضية العربية .
إن السياق الذي جاء فيه اتفاق أوسلو كرس حالة من التآكل والتفكك لم يسبق لها مثيل في تاريخ الأمة. ترافق ذلك مع انهيار الاتحاد السوفييتى وما تركه من تشكيك في الايدولوجيا الشيوعية والانهيار الذي تعرضت له الأنظمة القومية وبالتالي ضعف مصداقيتها.
هذا الانكشاف الايدولوجى القومي واليساري، كان قد سبقه في سبعينات القرن، وبسبب الطفرة في أسعار النفط، نوع من الانقسام العربي بين دول الفائض ودول العجز .. .دول الثروة ودول العوز (الدول النفطية والدول غير النفطية). وبسبب كل ذلك فان هذه الدول –أقصد دول النفط الخليجية- وجدت نفسها طليقة اليد بدون رادع أيدولوجى قومي او يساري وفى ظل ايدولوجيا اقرب ما تكون.الى ايدولوجيا الحفاظ على الذات والتحرر من أى التزام قومي.
مجموع تلك العوامل وفى ظل غياب تيار قومى أو يساري قادر على ان يحشد الجماهير لمواجهة هذا الانحراف، كل هذا قاد الى هيمنة روح التراخي واللامبالاة. الأمر الذي يضع على عاتق القوى الشعبية العربية بتيارها القومي واليسار.ي، مسؤولية السعي إلى استنهاض طاقاته لإحداث التغيير المطلوب في أقطاره، لما لهذا التغيير في المركز من دور كبير وهام على دول الأطراف.وإسناد قواها الطليعية.

