Menu
أوريدو

قنديل ومراكز البحوث والدراسات الممولة !

حاتم استانبولي

موضوع قنديل يفتح عنوان أكبر بكثير وهو عنوان المنظمات (الإنسانية أو الثقافية أو الحقوقية أو مراكز الدراسات الإعلامية والفكرية) وأخص منها الممولة، إن كانت محلية أو دولية والتي يأتي تمويلها ضمن ميزانيات وزارات الخارجية أو الاجهزة الاستخبارية في الدول الرأسمالية، حيث ترصد الأموال تحت عدة عناوين منها تعزيز الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو موضوعات فكرية، منها تعزيز تبادل الحضارات والثقافات، أو دراسات مجتمعية، عن التركيبة الاجتماعية والسكانية للبلدان وثقافاتهم السائدة وأديانهم ومذاهبهم والتداخل بينها من حيث اتفاقها أو تعارضها .

ترافق دعم فكرة تأسيس هذه المراكز مع سقوط فكرة الاستعمار المباشر، وتنامي النضال الوطني التحرري في البلدان الفقيرة والنامية، لكي تعمل بمهمتين: الأولى، خلق مرجعية محلية لتجاوزات الأنظمة؛ والثانية، تحجيم دور القوى الوطنية المحلية في عملية التغيير الاجتماعي. من جهة أخرى فإن هذه المنظمات والمراكز تلعب دور الضاغط على الحكومات، لكي لا تذهب بعيدًا في طغيانها وتشكل إحراجا للدول الداعمة لها . فإذا نظرنا لدورها ومواقفها من القضايا المركزية فإننا نراها تلعب دور المساوي بين الضحية والجلاد، وتعطي مبررات للجلاد وتصف بخجل تجاوزاته للقانون الدولي الإنساني؛ فمثلا في موضوع العراق والذي ثبت بالملموس أن العدوان عليه كان نتيجة مبررات كاذبة، وبالرغم من اعتراف قادة دول العدوان بذلك، إلا إننا لم نرَ أي منظمة حقوقية أو مركز دراسات أو مركز إعلامي قام بنشاط ملموس من أجل محاكمة القادة الذين شنوا الحرب وارتكبوا هذه المجازر بحق الشعب العراقي .

أفغانستان هذا البلد الذي دمر وسرقت موارده الطبيعية بشكل منظم والذي يتعرض للعدوان المستمر، لم نرَ أية منظمة تطالب بتشكيل لجنة للتحقيق في الجرائم التي ترتكب في معسكرات الجيش الأمريكي وحلفائه بحق الشعب الأفغاني، ولا تتطرق إلى المخطوفين الذين يشطبوا من السجلات المدنية تحت عنوان خسائر جانبية .

ليبيا التي تعرضت لغزو فرنسي أوروبي، وسرقت كل أرصدته، تحت عنوان أرصدة القذافي، ونهب نفطه، ويعيش حالة من الفوضى والتشرذم السياسي والاجتماعي، وكلنا يذكر المجموعة التي نزلت في ميدان بنغازي، وأكثرهم من الفتيات اللاتي كن يطالبن بالديمقراطية والحرية للتحريض على الغزو ، أين اختفوا ولم يسجل لهم أي ظهور سياسي أو إعلامي بعد سقوط الدولة؟! فليبيا التي تم غزوها من خارج القانون الدولي وقتل رئيسها على الهواء مباشرة، بعد أن خدعته الاستخبارات الفرنسية، بأنها أمنت له ممرًا إلى الجنوب الليبي ،وإنها كانت تريده حيا..! هذا الساركوزي الذي كشف كذبه، وتمت محاكمته في فرنسا تحت هذا العنوان، لم نسمع أية منظمة حقوقية تطالب بمحاكمته لغزوه ليبيا، وتمويله المنظمات الإرهابية التي ساعدتها الأجهزة الفرنسية في إسقاط الدولة الليبية..!

أما عن اليمن الذي يشكل وصمة عار في تاريخ الإنسانية، هذا البلد الفقير الذي يعاني من قتل يومي لأطفاله ونسائه وشيوخه، بطائرات وتكنولوجيا هذه الدول التي تتغنى بحقوق الإنسان، لم نسمع أية منظمة إنسانية أو حقوقية في البلدان العربية، تدعو لمحاكمة قتلة الشعب اليمني أو على الأقل تطالب بوقف العدوان على شعبه الطيب الفقير..!

أما عن سوريا فهنا أريد أن أجري مقارنة بينها وبين فلسطين، في حين دول العدوان تشرّع المعارضة المسلحة التي تسميه (بالمعتدلة)، لإسقاط النظام الوطني في سوريا، فإنها تصف المقاومة الفلسطينية المشروعة بالإرهاب، في حين أن المقاومة الفلسطينية تستند إلى القانون الدولي ذاته الذي استندت إليه المقاومة الفرنسية ضد النازية، والأسبانية ضد الحكومة الفاشية . هذا القانون الذي تم تجاهله بالنسبة لفلسطين، واخترع قانون لتشريع دعم المجموعات الارهابية (المعتدلة) لإسقاط النظام الوطني في سوريا. هنا ظهرت قمة النفاق للدول الغربية، ومباشرة تبعيتها المراكز التابعة لها في دعم المنظمات الإرهابية، وبدأت تشرع قتلها ودمارها للبنية الوطنية التحتية، من اقتصادية واجتماعية وسياسية وعسكرية، وهي ملك لكل الشعب السوري، وليست حصرا للنظام أو الرئيس، حيث لم نسمع من أي مركز ممول من الغرب أو من الأجهزة المحلية عن موقف من هذه التنظيمات الارهابية (المعتدلة)..! وإنما بعض رؤساء هذه المراكز أصبحوا وزراء مكافأة لمواقفهم، وقادة المجموعات الإرهابية، أصبحوا ضيوفًا اعزاء، بهذه الدول، في حين إذا اشتم رائحة أي مقاوم فلسطيني، فإن أبواب السجون مفتوحة له على مصراعيها.

بغض النظر عن رواية قنديل، إن كانت صحيحة أو خاطئة، إن الجرم الذي ارتكب بالأساس هو السماح لهذه المراكز بالعمل كبديل للأحزاب الوطنية المسجلة قانونيًا، وإعطائها حيزًا إعلاميًا، واهتمامًا رسميًا، وفتح لها الأبواب لتمارس سياسات مموليها، وإعطائها الحصانة التي لا تتمتع بها الأحزاب والمنظمات الوطنية العاملة .

إن مهمة هذه المراكز الممولة غربيًا وأمريكيًا مطلوب منها تقديم تقارير دورية عن كل ما يخص شؤون الدولة، من سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية، ويسافر رؤسائها بشكل دوري لهذه الدول لتقديم التقارير وشرحها لمموليهم . هذه المراكز التي هي ذراع تحت عناوين براقة تلعب دورًا تآمريًا على الدولة ومكوناتها، وتستخدم بشكل خبيث لإثارة الاشكالات حسب خصوصية كل دولة تعمل بها، وتستخدم أحيانا بشكل مزدوج ضد القوى الوطنية والأنظمة .

يبقى القول، بأن مهمة التغيير السياسي والاجتماعي، هي مهمة معقدة في ظل النظام العالمي القائم، تتطلب من الدولة وقواها الوطنية الاتفاق على أجندة وطنية عامة، تستند على سيادة القانون كناظم ووطنية المواقف كمعيار. فالحقوق المدنية يؤمنها الدستور وسيادة القانون ومشاركة القوى الوطنية هي معيار وطنيتها، وإقرار خطة وطنية هي طريق إنجاز التغيير التراكمي. المراكز الممولة من المراكز الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً، هي تخدم مموليها (محليًا ودوليًا)، ولا تملك أية أجندة وطنية، وإنما أجندة لتكون بديلاً للقوى الوطنية من جهة، وعامل ضغط على الحكومات لاستمرار تبعيتها، وتبييض لممارسات الأنظمة من جهة أخرى.