ينتظر السجين طوال فترة محكوميّته اليومَ الذي يخرج فيه من ظلمة السجن إلى الحرية، لكنّ هذه القاعدة تنكسّر أمام سجيناتٍ في قطاع غزة، يُعانينَ الأمرّيْن بسبب سَجنهنّ، فتبقى السجينة منهنّ موصومةً بوِزرِها، الذي لا يمحوه المجتمع بقضائها العقوبة القانونية، ليظلّ يُلاحقها بنظرات الدونيّة والعار حتى آخر يومٍ في حياتها.
حالات عديدة وصلت إليها بوابة الهدف، لسجيناتٍ على خلفيّة قضايا جنائية، ومنها الأخلاقية، رفضت عوائلهنّ استقبالهنّ في بيوتهنّ، كما رُفِضنَ في محيطهنّ الاجتماعي، وأوصدت في وجوههنّ كل الأبواب.
ميرفت (اسم مستعار) بعد انتهاء محكوميّتها بالكامل- 5 سنوات- على خلفية قضية أخلاقية، لم تجد أيّ مكان يستقبلها؛ إذ تبرّأت منها عائلتها وهدّدتها بالقتل، ما اضطر إدارة مركز إصلاح وتأهيل النساء للتحفّظ عليها وعدم إطلاق سراحها، لتظلّ في السجن 4 شهور، زيادةً عن محكوميّتها. وهو ما يُعد مخالفًا للقانون!.
جهود كبيرة بذلها المركز بالتعاون مع مؤسسات حقوقية، استمرت شهورًا، من أجل إقناع العائلة بقبول عودة (ميرفت)، والتراجع عن تهديداتهم لها بالقتل، ولم يكُن هذا إلّا بعد تزويجها، وإجبار ذويها على التوقيع على تعهّدات بعدم التعرّض لها قبل تسلُّمها.
لم يكن حال داليا (اسم مستعار) أفضل من سابقتها، فخلال عملها في أحد مراكز التجميل تم التغرير بها من قبل زميلتها في العمل في محاولةٍ لإسقاطها أخلاقيًا، وجرى الاتفاق للّقاءٍ بينهما في أحد المنازل، التي كانت مشبوهة ومُراقبة من قبل الجهات الشرطية المختصّة، التي داهمت بدورها المنزل وألقت القبض على من فيه، ومنهم (داليا).
حُوكمت (داليا) الثلاثينيّة بثلاث سنوات سجن، وطلّقها زوجها على الفور، كما رفضتها عائلتها وهدّدتها بالقتل.
انقضى الآن من محكوميّة (داليا) عامٌ و9 شهور، ورجّح مركز الإصلاح والتأهيل إطلاق سراحها بعد انقضاء ثلثيْ المدّة، أي بعد 3 أشهرٍ من الآن، وسط تخوّفاتٍ من ما قد يحدث لها إذا ما تم الإفراج عنها. في ظلّ استمرار رفض أهلها استقبالها وتوّعدهم بقتلها.
مأمور مركز تأهيل وإصلاح النساء في غزة، صفاء إسماعيل، قالت لبوابة الهدف ليس من السهولة أن يتقبل أهل السجينة حبسها، خاصةً إن كانت خلفية ذلك أخلاقية.
وأرجعت إسماعيل أسباب رفض الأهل استقبال ابنتهم بعد خروجها من السجن إلى "السمعة السيئة التي تُلاحقهم بسببها، والوازع الديني".
المأمور التي تعمل في المركز منذ 7 سنوات، عزت الأسباب كذلك إلى "المجتمع الغزّي الذكوري، الذي يُسامح الرجل ولا يسامح المرأة".
الإشكاليات التي واجهت مركز الإصلاح والتأهيل والمرتبطة برفض الأهالي استقبال بناتهنّ بعد انتهاء محكوميّتهنّ، دفعت الجهات المُختصّة إلى تحويل بعض القضايا –تبعًا لاعتبارات معينة- إلى النائب العام للتحقيق فيها، قبل وصولها للمحاكم، في محاولة لإيجاد حلول لا تُفضي إلى "السجن" أو "انتشار السمعة السيئة".
ذوو السجينات يتمسّكون بذرائع مختلفة لرفضهم بناتهنّ بعد خروجهنّ من السجن، منها "أنّهن السبب في تشويه سمعة العائلة"، و"خروجهنّ عن تعاليم الدين"، و"استحقاقهنّ القتل لإنهاء حياتهنّ" وهو الذي يعتبره البعض سبيلًا لردّ "اعتبار وكرامة" العائلة!.
في هذا يقول د.عماد يعقوب حمتّو عميد المعاهد الأزهرية في قطاع غزة إنّ "الأصل في الدين الإسلاميّ أن ينظر ولي الأمر في المصلحة المترتبة على أي قرارٍ يمكن أن يتّخذه بهذا الاتجاه، بحيث تُراعَى فيه حياة الإنسان، حتى لو كان عاصيًا".
وأضاف "على المجتمع أن يتغاضى عن الإنسان الذي وقع في الخطأ وتاب، ونال ما ناله من العقوبة"، مُتابعًا "يجب أن نُخضِع أهواءنا ورغباتنا إلى شرع الله، لا أن نُخضِعَ شرع الله إلى رغباتنا وأهوائنا".
ونوّه إلى ضرورة "وجود برامج توعوية ومنابر صادقة تعين أمثال هؤلاء- أي السجينات- على أن يتقبّلهنّ المجتمع بعد توبتهنّ وحسن سيرتهنّ؛ وإلا فإن المجتمع معرض للهلاك والفتنة". على حدّ تعبيره.
المصاعب الاجتماعية والحياتيّة التي تتعرّض لها النساء بعد إنهائهنّ عقوبة السجن، لا تقتصر على السجينات على خلفية أخلاقيّة، بل تمتدّ النظرة الدونيّة لجميع النساء اللاتي يخرجنَ من السجن، مهما كانت التهمة التي سُجِنَّ بسببها. واحدةٌ من الحالات التي تواصلت معها بوابة الهدف قالت إنّ التهمة التي واجهتها "مُلفّقة أصلًا"، إلّا أنّها واجهت تحدّيات كثيرة في السياق ذاته. ابتداءً بتخلّي عائلتها عنها ومنعها من رؤية أطفالها، وصولًا إلى بؤس وضعها الاقتصادي.
رنا (اسم مستعار)، خرجت من السجن منذ عاميْن، بعد قضائها 3 سنوات على خلفية قضية إتجار في المواد المُخدّرة. حُرمت طوال فترة سجنها وبعد خروجها من أبنائها السبعة، وتخلّت عنها عائلتها، بمن فيهم زوجها.
لاحظت بوابة الهدف حالة الضعف واليأس التي تُهيمن على النساء اللاتي تمّت مقابلتهنّ، بفعل الظلم الذي وقع عليهنّ من المجتمع والعائلة، في حين خالفت ريهام (اسم مستعار) هذا، إذ قرّرت المُضيّ في حياتها فحسب، بغضّ النظر عن نظرة المجتمع لها.
قضت ريهام (26 عامًا) 7 سنوات في السجن، على خلفية قضية شروع بقتل زوجها، قالت "كُنت بريئة، لا أدلّة ضدّي ولا معطيات واضحة، وبقيتُ في السجن 5 سنوات بدون محاكمة".
ريهام، التي أنجبت طفلتها داخل السجن، حصلت على عدّة دورات تدريبية في مجال السكرتاريا وقررت مُواصلة دراستها، وقالت لبوابة الهدف "لم أعُد خائفة من المجتمع، ولا أهتمّ لكلام الناس الآن، وقررت مواصلة حياتي ودراستي".
السؤال المشروع في مثل هذه الحالات، يتمحور حول وجود مؤسسات أو مراكز مجتمعيّة تُعنى بهذا النوع من المشكلات، وتحتوي هذه النساء إلى حين تسوية الخلافات مع عائلاتهنّ.
بوابة الهدف، وبعد بحثها في هذا الإطار، توصّلت إلى وجود مركزيْن اثنين في قطاع غزة، متخصصيْن في حماية النساء المُعنّفات اللاتي ليس لهنّ سوابق، هما: بيت الأمان ومركز حياة. وجمعية ثالثة مُتخصصة بإعادة تأهيل وإدماج السجينات في المجتمع بعد قضائهنّ محكومياتهنّ، وعملها مقتصرٌ على تقديم الخدمة لهنّ، ولا تُوفّر الجمعية البيات لهؤلاء النساء. الأمر الذي يجعل النساء السجينات- إنّ رفضت عوائلهنَ استقبالهنّ- بدون مأوى.
بوابة الهدف توجهت بهذه الإشكالية تحديدًا إلى مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة "حياة"، المحامية زينب الغنيمي، التي أقرّت بالفعل بعدم وجود مراكز مُتخصصة تأوي هذه النساء.
وقالت الغنيمي "إن بيوت الأمان معمولة للنساء المعنفات والمهددة حياتهنّ وليس اللواتي ارتكبن جرائم، سواء جنح أو جنايات، لأنهنّ على خلاف مع القانون". موضحةً أنّ هذه المراكز "مخصصة لحماية النساء اللواتي لا يحميهنّ القانون ولا المجتمع ولا العائلة، كامرأة مضروبة ومنتهكة حقوقها داخل البيت من أي شخص من أفراد الأسرة مثلًا، هذه لا تستطيع حماية نفسها، فتلجأ للمؤسسة ونقدم لها الإجراءات اللازمة".

