Menu

بداية الحل في الضفة

عوني صادق

يتضح كل يوم يمر، أكثر وأكثر، أن بداية الحل المقبول، معطياته في الضفة الغربية أساساً، مستنداً إلى عناصر القوة في غزة. وفي الوقت الذي كان الأمل بعد العام 2007 أن يأتي الحل من غزة، حيث تموضعت الفصائل المسلحة، فإن مجريات الأحداث التي تسارعت في الأشهر الأخيرة تفيد بأن هذه الفصائل تحولت إلى «ورقة» في المفاوضات، والتي لن تمثل في نهاية المطاف «حلا» عادلا يقبله الفلسطينيون، كما أثبتت مفاوضات امتدت طيلة ربع قرن مضى.

معطيات الصراع مع «إسرائيل» في الوضع الراهن، وكل السياسات والإجراءات التي تتبعها حكومة بنيامين نتنياهو، سواء الاستيطانية منها أو الأمنية أو القانونية، تعلن أن الاستيلاء على كل فلسطين التاريخية، بحسب قانوني «يهودية الدولة» و«قانون القومية»، واعتبارها أرضا «للشعب اليهودي»، وبالتالي فإن هذه الحكومة (والحكومات القادمة التي ستكون أكثر تطرفاً لأن اليمين واليمين المتطرف سيظل المسيطر حتى مستقبل غير منظور) لا تفكر ولن تفكر في حل يعترف بأي من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. وكل ما يصدر عنها من سياسات يؤكد هذه التوجهات، من خلال التلاعب والتحايل والكذب وأولاً وآخراً من خلال القوة عندما تعجز كل الأساليب الأخرى، يشجعها على ذلك موقف أمريكي أكثر انحيازا من أي وقت مضى، وموقف دولي تابع وضعيف، ووضع عربي منهار يكشف عنه عجز البعض عن الدفاع عن البلدان العربية، وإدارة الظهر للشعب الفلسطيني وقضيته.

في ضوء هذه السياسات والتوجهات والأوضاع، تعمل القيادة «الإسرائيلية» في مجال «إدارة الصراع» في اتجاهين: استمرار السيطرة على الوضع في الضفة الغربية، من خلال استمرار الإبقاء على السلطة الفلسطينية من أجل استمرار «التنسيق الأمني» الذي لو لم يكن لما استطاعت الأجهزة الأمنية أن تسيطر على الضفة، والاتجاه الثاني لدى القيادة «الإسرائيلية» هو فصل قطاع غزة عن الضفة، من خلال ما تقترحه ويقترحه أعوانها الكثر من مشروعات كلها باسم «تحسين الأوضاع المعيشية في القطاع»! غير أن استمرار سياسة «المحافظة على الوضع القائم» التي يتمسك بها نتنياهو وتتمسك بها حكومته، ينطوي على تراكم عوامل «انفجار» الضفة، خصوصاً أن الأحداث اليومية تظهر أن النار مشتعلة تحت القدر، وأن صبر الفلسطينيين يوشك على النفاد، وأن الأنشطة التي يتكفل بها جيل الشباب تجعل من لحظة يقع فيها الانفجار ليست بعيدة. ولهذه الأسباب جميعاً، يرى بعض الاستراتيجيين الصهاينة العاملين في «مراكز أبحاث الأمن القومي» أنه لا بد من «مقاربات» مختلفة لا تختلف مع السياسة الرسمية من حيث الأهداف، لكنها تتوسل إليها وسائل وطرقا أكثر «مرونة» وتحايلاً على الوقائع.

وآخر «الخطط» التي خرجت من المطابخ «الإسرائيلية»، كانت تلك التي وضعها «معهد أبحاث الأمن القومي» في جامعة تل أبيب، بعنوان «خطة استراتيجية للحلبة الإسرائيلية - الفلسطينية»، والتي تنطلق من أن «إسرائيل» تواجه الآن «طريقاً مسدوداً وخطيراً». ويشير المعهد بوضوح إلى أن الخطة المقترحة لها هدفان: «تحسين وضع«إسرائيل» الاستراتيجي، ومنع التدهور والانزلاق نحو الدولة الواحدة»، وتعد الظروف لدولتين، يهودية وفلسطينية! لكن القراءة للخطة تكشف عن كذب هذا الادعاء، حيث لا تغيير يذكر على «الوضع القائم» أو الأهداف المرسومة، وحيث تخلص الخطة نفسها إلى القول: «الخطة المقترحة هي الوحيدة الممكنة اليوم كونها تحافظ على المصالح الإسرائيلية الأمنية والاستيطانية، وتسمح بدعم دولي وإقليمي، وتمنح إسرائيل ليونة سياسية» (عرب 48- 2/10/2018).

هنا يصبح الحل الفلسطيني، في ضوء عدم تحقيق المصالحة، متمثلا في تحريك الضفة الغربية من خلال تكثيف العمليات (الفردية) المسلحة، واستنهاض الجماهير وصولاً إلى حالة العصيان المدني ثم إلى انتفاضة ثالثة، أو ما يسميه الاحتلال «انفجار الضفة». إن سلطة أوسلو لن تغير من سلوكها ولن تلغي «التنسيق الأمني»، ولا بد أن تسقطه الجماهير المنتفضة، وساعتئذ ستتغير الظروف وتسقط كل مشاريع التصفية.