ما أن تسمعَ بجمعيات ومؤسسات تيسير الزواج، حتى يُخيَّل لكَ أنّها خيرية لا هدف لها إلّا مساعدة الشباب الذين لا تُمكّنهم ظروفهم الاقتصادية الصعبة من توفير تكاليف الزواج؛ لكنّ ما يشهده قطاع غزة في السنوات الأخيرة مغايرًا تمامًا لهذا الاعتقاد. سيّما مع انتشار الكثير من القصص لشُبّانٍ لم يجنوا من اللجوء لتلك الجمعيات سوى "أوامر حبس" على ذمّة مالية!
الحالة المعيشية البائسة، في ظلّ ارتفاع مُعدّلات البطالة والفقر وشُحّ فرص العمل، وانعدام الأمل بتحسّن هذه الأوضاع، دفع بكثيرٍ من الشباب في قطاع غزة لعقد آمالهم في الزواج على جمعيات تيسير الزواج، لكن حالات عديدة وصلت إليها بوابة الهدف، من خلال "المركز الفلسطيني للديمقراطية وحلّ النزعات"، تكشف مُشكلات كبيرة وقع فيها شبابٌ استعانوا بتلك الجمعيات، التي وفّرت لهم الإمكانات المالية والعينية اللازمة للزواج.
الشاب أحمد (اسم مستعار) لم يكن يعلم أن حياته ستنقلب رأسًا على عقب بعد أن لجأ للزواج بالتقسيط عبر إحدى الجمعيات المتخصّصة بذلك، خاضعًا لفرحة دخوله عش الزوجية التي رافقتها عروضٌ مغرية قدّمتها له المؤسسة.
بعد الزواج بشهرٍ واحدٍ فقط، واجه العديد من المشاكل، فالمؤسسة لم تفي بما قّدمته للشاب من وعود، في مقدّمتها أن يبدأ سداد الأقسط بعد 3 شهور من زواجه، إذ طالبته بدفع أول قسط على الفور، بقيمة 300 دولار، وحين عاد للمؤسسة للاستفسار، اكتفت الأخيرة بإبلاغه أن هذا خارجٌ عن العقد المُبرم معه، وتذرّعت بأن الاتفاق كان شفويًا، ومنّت عليه بأن "صبرت عليه شهرًا وأعطته مدة لتدبير أموره".
لم يكن أمامه سوى أن بيع مصاغ زوجته لسداد ما عليه من ديون، وافقت زوجته شرطَ أن يسدّ كل أقساط المؤسسة، لكن أحمد وبسبب صعوبة وضعه الاقتصادي فضّلَ سداد القسط الأول فقط وفتح مشروع صغير بسائر المبلغ يُدرّ عليه دخلًا. لم ينجح الموضوع بسبب تردّي الاأوضاع الاقتصادية في عموم القطاع، وعليه لم يُتمّ الشاب سداد ما تبقى من أقساط، وعلى إثره تلقّى استدعاءً من الشرطة على خلفية شكوى رفعتها ضده المؤسسة.
أمْرُ الاستدعاء واكتشافُ عدم تسديد أحمد للأقساط، دفع الزوجة لترك المنزل ولم تمضِ أيام حتى طالبته بالطلاق والنفقة وعفش المنزل، ليجدَ الشاب نفسه بين مطرقة الدّيون وسندان نفقة الزوجة.
لا يخفى في حالة أحمد، ما مارسته المؤسسة من استغلالٍ لجهله وقلّة معرفته بالجانب القانوني من العقد الذي أبرمه مع المؤسسة، تحت ضغط الاحتياجات المادية يقعون ضحية استغلال
إبراهيم (اسم مستعار)، تعاقد مع إحدى مؤسسات تيسير الزواج، ليتمكُن من توفير تكاليف ومُتطلبات الزواج، لكنّ قبل الموعد المُقرّر ليوم زفافه، ببضع أيام، نشبت خلافات مع عائلة خطيبته، تأجّل على إثرِها موعد الزفاف.
تواصل الشاب مع المؤسسة من أجل إلغاء ترتيبات الزفاف، الذي تأجّل موعدَه، وتخفيف عبء الأقساط كونه لن يتزوّج في الموعد المُتفق عليه مُسبقًا، لكنه صُدم برفض المؤسسة ذلك، وإلزامه بدفع ما عليه من أقساط دون أدنى مراعاة لما استجدّ لديه من ظروف.
المحامي لدى (المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات)، يونس الطهراوي، قال "إنّ مؤسسات تيسير الزواج هي شركات ربحية، تهدف بصورة أساسية لتحقيق الربح، وإن كان بعباءة المساعدات الخيرية والإنسانية".
وأوضح الطهرواي، لبوابة الهدف، أنّ تلك المؤسسات تخضع لقانون الشركات الفلسطيني، ومن المفترض أنّ يتم اعتمادها وترخيصها من قِبَل وزارة الاقتصاد".
وبيّن أنّه "في حال لم يدفع المُتعاقَد معه ما عليه من أقساطٍ وفي موعدها المحدد مُسبقًا، ترفع المؤسسة قضية تنفيذية ضدّه، وعليه يصدر أمر حبس بحقّ الشخص (في حالتنا هذه العريس)".
وفي حديثه لبوابة الهدف، لفت المحامي الطهراوي إلى أنّ جهات حقوقية، منها المركز الفلسطيني، تتدخّل في مثل هذه الحالات لمحاولة حل الإشكالية، إلّا أنّ الحل لا يكون سهلًا، إذ يتطلّب من الشاب تسديد كل ما عليه من ديون!
وانتقد المُحامي ما تُمارسه بعض المؤسسات من تعمّد عدم توضيح بنود العقد كافة، للشاب المُقبِل على الزواج، وقال "هؤلاء الشباب لا يُفكّرون بالمستقبل، إذ تُسيطر عليهم في هذه المرحلة فرحة الزواج، مشددًا على ضرورة توضيح كل تفاصيل العقد من خلال المستشار القانوني للمؤسسة، سيّما المتعلقة بما يترتّب على الشاب من التزامات مالية".
حالة أخرى، لشاب لم يجدّ وسيلة تُعينه على تكاليف الزواج، سوى اللجوء لمؤسسات تيسير الزواج، لكنّه الآن "يعضّ يديه من الندم" كما وصف لبوابة الهدف.
"أنصح كل شاب مُقبل على الزواج ويعتقد أنّ اللّجوء لتلك الجمعيات سيُخفف عنه العبء المادي، بعدم التوجّه لها أبدًا". يقول الشاب سامر، أحد ضحايا واحدة من مؤسسات تيسير الزواج
وتابع لبوابة الهدف "كل ما يتم تقديمه على أنّه مساعدة للشباب، من أثاث وغيره، هو أقلّ من تجاري، لم أفرح علي شيء من المستلزمات التي حصلتُ عليها من المؤسسة، كلّه ذو جودة رديئة، ويُخالف تمامًا ما اخترتُه". علمًا بأنّ تكاليف تلك المُستلزمات "فستان العروس، الأثاث، تكاليف صالون التجميل، كلّها كانت ضعف أسعار السوق". كما بيّن سامر، الذي قال بحسرة وقهر "ريتني اشتريتُها بنفسي وحسب، لكان أفضل بكثير!".
"بوابة الهدف" توجّهت إلى استشاري الإدارة والتسويق في مؤسسة (أكورد) لتيسير الزواج في قطاع غزة، أحمد الحسنات، الذي قال بدوره "تُوجد سُمعة مشوّهة لدى بعض الناس بشأن عمل مؤسسات تيسير الزواج".
"هناك من يظن أنّها مؤسسات مليئة بالمشاكل والشُّبهات القانونية" موضحًا أنّ (أكورد) مؤسسة شبه ربحية، تقوم بتقديم مستلزمات تيسير الزواج بأقلّ التكاليف للشباب المقبلين على الزواج، بدلًا من أن يلجأ الشاب للديون بمبالغ باهظة، نحن نقدم له (خدمة) يدفع مقابلها مبلغ مالي، يتم سداده بشكل شهري".
وقال "تُراعي المؤسسة الإجراءات القانونية، مثل الكفالات وسند الدين مُنظّم التوثيق في المحكمة، حتى يتم ضبط هذه العملية".
وكشف الحسنات عن وجود مؤسسات أخرى "غير مُرخّصة" تعمل تحت مُسمّى "تيسير الزواج"، في قطاع غزّة، وقال "هدف هذه المؤسسات غير المرخصة هو ضرب السوق، وتُروّج أنّها تقوم بالتخفيف من حدّة الإجراءات اللازمة والعبء على الشباب، سيّما بما يتعلّق بالكُفَلاء، وفي أحيانٍ لا تطلب المؤسسة كفيلًا أو دُفعة أولى"، وهو ما يُغري عدد كبير من الشباب للّجوء إليها، على حدّ تعبير المسؤول في مؤسسة (أكورد).
يضيف الحسنات "إن هذه الإجراءات/التسهيلات تفتح شهية المواطن بأن يأخذ مستلزمات تفوق وضعه المادي، ليجد نفسه بنهاية المطاف في ورطة قانونية حين يعجز عن سداد الأقساط؛ مُعتقدًا أن المؤسسة هي السبب".
مدير مؤسسة "فرحتي" لتيسير الزواج، سلامة العوضي، لم يبتعد كثيرًا عن المبررات قدّمها الحسنات، وأقر بوجود أوامر حبس لشبابٍ لجأوا للمؤسسة للزواج بالتقسيط ثم توقفوا أو لم يتمكنوا من تسديد الأقساط في موعدها المحدد.

