Menu

مئوية السادات.. لماذا كان الصدام محتماً؟

عبد الله السّناوي

لم يكد «أنور السادات» يتمكن من مقاليد السلطة، التي آلت إليه بعد رحيل «جمال عبدالناصر» حتى بدأت حملة عاتية وممنهجة على المشروع الذي تبناه والخيارات التي اتبعها.

بقوة الحقائق تأسس الصدام بين مشروعين على طرفي نقيض.

بدأ التفكير مبكراً في استخدام الورقة الدينية لضرب إرث «عبدالناصر».

جرت اتصالات لعودة أقطاب جماعة «الإخوان المسلمين» من الخارج والتصالح معها وبرز في الحلقة المقربة «محمد عثمان إسماعيل» محافظ أسيوط الأسبق صاحب العبارة الشهيرة: «أعداء النظام ثلاثة، الشيوعيون والناصريون والأقباط»، وقد شرع في تأسيس «الجماعة الإسلامية» بالجامعات المصرية لمواجهة الطلاب اليساريين.

وفرت اللعبة الخطرة بيئة سلبية احتضنت الفتنة وأذكت نيرانها، التي داهمت المصريين على غير توقع أو انتظار عام (1972) في مركز «الخانكة» قبل أن تتمدد وتفضي بعض تداعياتها إلى اغتيال «السادات» نفسه في حادث المنصة الدموي.

في أعقاب حرب أكتوبر/تشرين الأول (1973) بدا أنه قد حان الوقت وتهيأت الظروف للإعلان عن توجهات جديدة وبناء نظام آخر على أنقاض إرث «عبدالناصر» وتوجهاته وسياساته.

«أطلقوا ألسنتهم فيه على اعتبار أنه كان سبب الهزيمة بينما السادات سبب النصر، وبعد أن كانوا يهاجمونه ضمناً في حملتهم على مراكز القوى أصبحوا يهاجمونه شخصاً، وعيناً، وتاريخاً، وإنجازات، وأصبح في قفص الاتهام كل شيء قاله أو فعله، وتدفقت كتب ومقالات تعفي الاستعمار و«إسرائيل»من مسؤولية تخريب مصر، وتلقيها على عاتق الإصلاح الزراعي، والسد العالي، ومجانية التعليم، ومحاربة الاستعمار، والتطور الصناعي، والتحول الاشتراكي.. إلى آخر هذه الجرائم الفادحة!».

كان ذلك توصيفًا للحملة وضراوتها كتب عام (1975) بقلم رئيس تحرير مجلة «روزاليوسف» «صلاح حافظ»، وهو واحد من أكثر الصحفيين موهبة وكفاءة في تاريخ الصحافة المصرية الحديثة.

بتوصيف شيخ المؤرخين الدكتور «يونان لبيب رزق» ل«هوجة المذكرات»، التي تصدى لكتابتها في السبعينات من لم يسمع عنهم من قبل وأسندت إلى أصحابها أدواراً بطولية لم تحدث، فإنها «ظاهرة لم تعرفها مصر على هذا النحو الواسع من قبل».

«لأن ما تم في عهد عبدالناصر كان كبيراً، فقد كان من الطبيعي أن يجيء رد الفعل بحجم الفعل، وأن تُشارك جبهات عديدة في ضرب الحقبة الناصرية»، كما فسر الظاهرة.
كان فتح «ملف عبدالناصر» تمهيداً لسياسات تمددت من الانفتاح الاقتصادي بالطريقة التي جرت بها إلى الصلح مع «إسرائيل» بالتنازلات التي انطوى عليها.

يحسب ل«السادات» تحمله مسؤولية قرار الحرب لكن الإدارة السياسية بدت كارثية بالمعنيين التاريخي والاستراتيجي. 

أهدرت النتائج العسكرية لحرب أكتوبر بمقولتي: «70٪ من الصراع مع «إسرائيل» نفسي».. و«99٪ من أوراق اللعبة في يد الولايات المتحدة».

وكانت النتائج وخيمة على الدور الإقليمي المصري بالانخراط في الصلح المنفرد مع «إسرائيل» والخروج من الصراع العربي- «الإسرائيلي».

في أجواء الصدام اختبرت معادن رجال وصلابة مواقف. تصدرت مشاهد رفض اتفاقيتي «كامب ديفيد» تيارات وأحزاب يصعب أن تلتقي. وتشاركت في رفض التطبيع مع «إسرائيل» أجيال ونقابات وجمعيات أهلية، وكل ما يتحرك بالحيوية في البلد.

كان من أبرز الوجوه التي تصدت ل«كامب ديفيد» نقيب المحامين «عبدالعزيز الشوربجي»، إن لم يكن أبرزها على الإطلاق.

بخلفيته السياسية فهو «وفدي» يجافي تجربة «جمال عبدالناصر» في الحكم غير أنه في لحظة «كامب ديفيد» وما تمثله من خطر على الوطنية المصرية قال بما هو نصه في محضر التحقيقات معه أمام النيابة العامة: «والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت لكنت من رجاله وحاربت خلفه».
فقيه قانوني آخر من أفضل من مروا على مصر من محامين كبار هو الدكتور «محمد عصفور»، وجد نفسه بقوة الوطنية المصرية رغم الخلاف المعلن مع «عبدالناصر» يقول في حوار صحفي منشور: «أمريكا استغلت السادات لإجهاض مشروع ناصر».

بمضي الوقت استقرت حقائق المشروع المضاد. تفكيك الاقتصاد الوطني باسم الانفتاح الاقتصادي أسس لطبقة جديدة وظيفتها مساندة نوع معين من السلام.

وتفكيك نظرية الأمن القومي باسم السلام مع «إسرائيل» أسس لتراجع المكانة المصرية في محيطها وقارتها وعالمها الثالث.

توقفت رحلة «السادات» في حادث المنصة الدموي، غير أن خياراته حكمت مصر بعده لأزمان طويلة تالية. لم يكن الرجل هو الموضوع بقدر ما كان مشروعه المضاد.

لم تكن لدى «عبدالناصر» نفسه ثقة كبيرة فيما قد يحدث بعده.

في رواية مستلفتة لرجل التصنيع الدكتور «عزيز صدقي» بتاريخ 4 يوليو/تموز (2005) فإن «عبدالناصر» قال له عام (1968): «إحنا مش هنعيش كتير.. واللي جاي بعدنا معرفش هيعمل إيه.. واللي أنت بتعمله مش هيقدروا يهدوه».

لم يكن ممكناً لثورة بحجم «يوليو» أن تستمر بالتطور والتجديد والإضافة إذا لم يكن هناك نظام أكثر انفتاحاً على قواعد دولة القانون والمؤسسات والتعددية السياسية المستقرة على دستور يضمن أهداف الثورة ويصونها. من بين ثغرات «يوليو» نفذ المشروع المضاد.

عند نهاية رحلة «السادات» تبدت مفارقتان.الأولى أن الذين اغتالوه في حادث المنصة هم من راهن عليهم لضرب التيارين الناصري والماركسي.

بتعبير وزير داخليته «النبوي إسماعيل» (2003): «الجماعات الأصولية عفريت أخرجه السادات من القمقم ولم يعرف كيف يصرفه».

والثانية أن الذين شاركوا في جنازته هم أنفسهم الذين حصدوا جوائز الحرب، والذين رتبوا للأوضاع من بعده لم يكونوا أصحاب البلد.

في مطلع يناير/كانون الثاني (1981) أشارت صحيفة «جيروزاليم بوست» «الإسرائيلية» إلى أن هناك تقريرًا جديدًا للاستخبارات الأمريكية يوصي بالنص: «يكفي السادات عشر سنوات». بعد عشرة شهور قُتل السادات في حادث المنصة.