Menu

هل تنفّذ تركيا تهديداتها؟

علي جرادات

القوة العسكرية الأمريكية الموجودة في سوريا التي قرر الرئيس ترامب سحبها، هي قوة رمزية، محدودة، ولا تمثل سوى الشكل المباشر للتدخل العسكري الأمريكي في الصراع الدائر في سوريا، وعليها، منذ العام 2010. هذا يعني أن انسحاب هذه القوة، لا يعادل، في حال حصل، (والأرجح أنه سيحصل)، إنهاء التدخل الأمريكي في الأزمة السورية. فالتدخل، هنا، متعدد الأوجه، من جهة، ويتخذ أشكالاً مباشرة، وأخرى وغير مباشرة، من جهة ثانية. فضلاً عما أكده الرئيس ترامب بالقول: «سيكون الانسحاب بطيئاً ومنسقاً مع تركيا»، بل ونقلت وسائل الإعلام أنه قال للرئيس التركي أردوغان، في مكالمة هاتفية، «انتهى الأمر، سوريا كلها لك»، وأضاف، خلال زيارته الخاطفة لجنوده في العراق بمناسبة أعياد الميلاد، أن «هناك إمكانية لتنفيذ ضربات عسكرية داخل سوريا بواسطة قواتنا الموجودة في العراق». كل ذلك من دون أن ننسى أن بمقدور الجيش الأمريكي تنفيذ ضربات جوية وبحرية في سوريا عبر استخدام قواعده المنتشرة في المنطقة، وفي مناطق أخرى من العالم.

غاية الإشارة السريعة أعلاه القول: ما انفكت تركيا، حتى قبل «قرار ترامب»، تهدد، وتحشد عسكرياً لاجتياح، وللدقة «احتلال»، منطقة منبج، ومناطق شرق الفرات السورية، بذريعة حماية «الأمن القومي التركي» من الخطر الذي تمثله، حسبما تدعي، قوات «قسد» الكردية، وفلول «داعش» في الشمال السوري. هنا يثور السؤال: ألم تستخدم تركيا هذه الذريعة حين احتلت عفرين، بل وحين طالبت، منذ بداية الأزمة السورية، بإقامة منطقة حظر جوي، واقتطاع شريط حدودي عازل داخل الأراضي السورية؟

هذا يعني أن خلف الذرائع التركية أطماع، تحركها نزعات عثمانية جديدة، وتوجهات «إخوانية»، تسيطر على تفكير وسلوك حزب العدالة والتنمية الحاكم، ورئيسه، ورئيس تركيا، أردوغان، تحديداً، ذلك على الرغم من أن تحقيق هذه الأطماع بات، بلا شك أو ريب، خارج الممكن التاريخي والواقعي، وأن التشبث بها لن يفضي إلا إلى جرِّ تركيا، ودول المنطقة، إلى ما لا تحمد عقباها من الكوارث. والسؤال، هنا، هو: هل تنزلق تركيا، أم تُراجع موقفها من الأزمة السورية، كموقف لم يتغير، في الجوهر، بالمعنييْن السياسي والميداني، على مدار ثماني سنوات، هي عمر الصراع في سوريا وعليها؟ آخذين في الحسبان أن تلافي الانزلاق، هنا، بات يحتاج من تركيا الرسمية:

أولاً، أن تتخذ قراراً استراتيجياً بالكف عن أطماعها التوسعية، وغير الواقعية، أيْ قرار يتجاوز ما اتخذته منذ العام 2015 وحتى الآن، من استدارات تكتيكية مراوغة مخادعة اضطرارية، اتصالاً بالتدخل الروسي العسكري المباشر، وبتداعيات حادثة إسقاطها للقاذفة الروسية، وبما حققه هذا التدخل من تحولات سياسية وميدانية نوعية، قلبت ميزان القوى لغير مصلحة تركيا، ما أدخلها في أزمة، داخلية وخارجية، متعددة الأوجه، جاء الانقلاب الفاشل في العام 2016، ليعمقها ويفاقمها، وليكشف أكثر ما جلبته سلطة حزب العدالة والتنمية لتركيا، الدولة والشعب والمجتمع، من مخاطر وتحديات كبيرة، وزائدة، جراء مواقفه من الأزمة السورية، خصوصاً، ومن الحراك الشعبي العربي، عموماً، أي جراء سياسته «الانتصاروية» الفاقدة للحس السياسي والتاريخي السليم، والفاشلة، داخلياً وخارجياً.

ثانياً، أن تأخذ، أي تركيا الرسمية، في الحسبان، وهي تفكر في تنفيذ تهديدها باجتياح جيشها، بمشاركة ما يأتمر بأمره من جماعات إرهابية، لمنبج ومناطق شرق الفرات السورية، مجموعة اعتبارات، أولها أن هذا الاجتياح سيعد احتلالاً، وثانيها أنه لن يكون مفروشاً بالورود، بل سيواجه مقاومة كردية ضارية، وثالثها أنه ينطوي على صدام غير مباشر، وربما مباشر، مع الجيش السوري، وثالثها أنه سيواجه رفضاً سياسياً، من أطراف إقليمية ودولية، بضمنها الدول الأوروبية، علاوة على روسيا، وإيران، كطرفيْن ضامنيْن مع تركيا لإيجاد حل سياسي لأزمة سوريا، يضمن سلامة ووحدة أراضيها، وسيادة دولتها عليها. أما رابعها، (وهنا الأهم)، فهو ما توحي به عبارة الرئيس الأمريكي: «سوريا كلها لك يا أردوغان»، من تشجيع لتركيا على التورط في إشعال فتيل حريق في المنطقة، لا يبقي ولا يذر.

لهذه الاعتبارات، ولاعتبارات أخرى لا مجال لذكرها، يرجح كثير من المحللين والخبراء الذين يُعتد برأيهم احتمال ألا تُقدم تركيا على تنفيذ ما تهدد به، وتحشد له من عملية عسكرية كبيرة، لعلمها بأن إطلاقها شيء، وأن إنهاءها شيء آخر، اللهم إلا إذا كانت القيادة التركية قد جُنّت تماماً.