تعميمٌ قضائي أصدره المجلس الأعلى للقضاء في قطاع غزة، مؤخرًا، يقضي بعدم التقيّد بدمغة نقابة المحامين في المعاملات التي تُقدَّم للمحاكم النظامية، والتي تبلغ رسومها (100 شيكل)، وإلغاء كل ما يتعارض مع هذا القرار، وهو ما يُناقض ما سبق واشترطته النقابة على المحاميين كافة، بضرورة وضع الدمغة التي لا تُقبل المعاملات في المحاكم إلا بوجودها.
محامون أوضحوا لبوابة الهدف أنّ رسوم هذه الدمغة فُرضت في وقتٍ كانت فيه مهنة المحاماة تُعاني من عدّة مشكلات تسببت بها سلوكيات بعض المحامين، انعكست سلبًا على هيْبة ومكانة هذه المهنة، إذ كانوا يقبلون معاملات برسوم قليلة جدًا، بسبب تردّي الأوضاع الاقتصادية بالقطاع، وحاجة بعض المحامين للعمل بأيّة طريقة، وهذا استدعى من نقابة المحامين التدخّل وفرض الدمغة بقيمة (100) شيكل، والتي تُعتبر مصدر دخلٍ لعدد كبير من المحامين.
"بوابة الهدف" توجّهت لرئيس المجلس الأعلى للقضاء بغزّة، المُستشار محمد عابد، الذي قال بدوره إنّ التعميم صدر "للتخفيف عن كاهل المواطن" لافتًا أنّه "لا يوجد أيّ قانون أو قرار رسمي يُجيز فرض هذه الرسوم (قيمة الدمغة)".
وأوضح المستشار عابد أنّ "وضع رسم النقابة لم يتم إقراره بشكل قانوني، كما لم يتم إعلانه للمواطنين بآلية موثقة"، مشيرًا إلى أنّ "المحاكم غير ملزمة بقبول وكالات أو معاملات مشروطة بوجود رسم نقابة المحامين عليها".
النقابة: عقوبات بحق من يطبّق التعميم
عضو مجلس نقابة المحامين بغزة، علي الدن، أعرب عن استهجانه من صدور التعميم، الصادر بتاريخ 15 يناير 2019، وقال إنّه "أثار حفيظة العديد من المُحامين لصيغته الفضفاضة وتوقيته المُفاجئ".
وأضاف المحامي الدنّ لبوابة الهدف أنّ "مصطلح (عدم التقيّد) في نصّ التعميم غير واضح المعنى".
وأشار إلى أنّ مجلس نقابة المحامين "سيتخذ كل الإجراءات لحل هذه القضية بالطرق الودّية، وإن لم يتم التراجع عن التعميم سنتجه لخطواتٍ نقابية". وتمّم بالقول إنّ "النقابة هي من تخاطب المحامين، وهي من تلزمهم، والتعميم سيؤدي إلي نوعِ من الفوضى، وتهرب بعض المحامين من وضع الدمغة لأنها فرضٌ على المحامي" على حد تعبيره.
ورأى الدنّ أنّه "لا يوجد أي مبرر لا لمنطوق التعميم ولا لتوقيته، لأن الدمغة وإيراداتها بالأساس هي للنقابة والمحامين أنفسهم".
نقابة المحامين أهابت بكافة أعضائها عدم تقديم أيّة وكالة أمام القضاء أو النيابة في غزة إلّا بعد لصق دمغتها الخاصة، وقالت إنها "لن تقبل العذر من أيّ زميل/ة يُخالف هذا الإعلان، مُؤكدةً على أنها ستتخذ بحق المُخالفين كل الإجراءات المناسبة وفقًا للنظام والقانون".
"بوابة الهدف" استطلعت آراء عددٍ من المحامين، تنوّعت وجهات نظرهم بين مُؤيدٍ للتعميم الصادر عن المجلس الأعلى للقضاء، ومعارض له.
مساسٌ بمصالح النقابة والمحامين
نقيب المحامين السابق، صافي الدحدوح رأى أنّ التعميم يشكّل تعديًا على اختصاص النقابة التي لها الحق في إصدار أي قرارٍ تراه مُناسبًا لمصلحة المحامي التي يمسّ بها التعميم، ناهيكَ عن إضراره بأنظمة النقابة التي تعتمد على رسوم تلك المعاملات.
وأضاف المحامي الدحدوح أن "التعميم أضرّ كذلك بأنظمة التأمين والتقاعد والزمالة، فإلغاء رسوم الدمغة (100) شيكل يعني إلغاء هذه الأنظمة".
وطالب بتراجع رئيس المجلس الأعلى للقضاء عن هذا القرار الذي اعتبر أنّه يضرّ بالمصلحة العليا للنقابة. لافتًا إلى أنّ "نظام الدمغة، يُمكّن النقابة من دفع قيمة التأمين لوزارة الصحة والتي تتعدّى 100 ألف دولار، وهو ما يُسهم بتنشيط وخدمة الصحة العامة، وبالتالي يُشكل التعميم خسارة للقطاع الصحي.
رأي مُشابه، أبدته المحامية نعمة لولو بشأن التعميم، إذ قالت إنّه "ضد مصلحة المحامي"، مُوضحةً أن الرسوم تُقسّم؛ 70 شيكلًا للمحامي و30 للنقابة، وتُصرف للمحامي نهاية الشهر، وهذه الرسوم تُساهم ولو بالقدر البسيط في التخفيف من الأعباء الاقتصادية عليه، في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها في قطاع غزة".
كذلك قال المحامي أحمد المصري، الذي عبّر عن غضبه من التعميم "الذي يمسّ أرزاق المحامين، فالجزء الذي تحصل عليه النقابة من قيمة الدمغة يذهب لصندوق التقاعد الذي لا يجد المحامي سواه مصدرًا للدخل بعد تقاعده، وكذلك للتأمين الصحي، فيما يُشكل الجزء الآخر من قيمة الدمغة دخلًا شهريًا للمحامي، يساعده على توفير قوت أطفاله".
في المقابل، قال المحامي ماهر الجملة إنّ "التعميم لا يلغي قرار النقابة، فهو خيَّر المحامي بين الالتزام بالدمغة وعدمه"، داعيًا إلى أولوية إنهاء حالة التصادم في الصلاحيات والقرارات بين المجلس والنقابة، ورأى أنه يجب تشريع فرض الدمغة عبر القانون.
الأولوية.. مصلحة المواطن
المجلس الأعلى للقضاء قرّر إلغاء رسوم دمغة نقابة المحامين في معاملات المحاكم، في حين أبقى على غيرها من الرسوم، وهو ما دفع المحامي محمد دلّول للتعبير عن سخطه من هذه الانتقائية في القرارات، وبيّن في منشورٍ له على فيسبوك "هنالك دمغة إلكترونية أضيفت على كل معاملة لتطوير القضاء، تصل في بعض الأحيان إلى ضعف الرسم القانوني..، وهناك عمولة بنك تُضاف إلى كل معاملة مهما بلغ قدرها".
التجمع الديمقراطي للمحامين والقانونيين الفلسطينيين، الإطار النقابي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، رأى أنّ تسهيل وصول الفئات الفقيرة والمُهمّشة إلى العدالة هو المعيار الأهمّ، ودعا لإلغاء كل الرسوم التي من شأنها أن تُثقل كاهل المواطنين في وصولهم إلى القضاء.
وقال التجمّع في تصريحٍ لبوابة الهدف إنّ فرض الرسوم على المواطنين، ومنها دمغة النقابة ورسوم بنك الإنتاج ورسوم كتبة العرائض وغيرها تُعرقل وصول المواطنين للعدالة، وترفع من أتعاب المحاماة المُلقاة على عاتقهم.

