حسب المنطق الذي يطرحه الرئيس التركي أردوغان، وحكومته، وحزبه الحاكم، فإن التدخلات التركية في الأزمة السورية اضطرارية، وإن غايتها لا تتجاوز حدود درء ما أفرزته تداعيات هذه الأزمة من أخطار باتت تهدد، بالمعنى الاستراتيجي، الأمن القومي التركي، المتمثلة، (الاخطار)، أساساً، في وجود تنظميات إرهابية عند الحدود التركية، وفي الكم الهائل من اللاجئين السوريين في تركيا، وفي، (وهنا الأهم)، أن أحزاباً كردية سورية تسعى، بدعم أمريكي، إلى إقامة كيان كردي مستقل بجوار تركيا، بالتنسيق مع حزب العمال الكردي التركي.
هنا، فلنقل: لا أحد يستطيع أن ينكر أن الأخطار آنفة الذكر على الأمن القومي التركي، هي أخطار فعلية، لكن هل صحيح أن شنَّ عملية عسكرية تركية واسعة، أو إقامة منطقة أمنية عازلة، هما الخياران الوحيدان المتاحان لخلاص تركيا من هذه المخاطر، كما تزعم تركيا الرسمية، بقيادة أردوغان؟ كلا طبعاً، أما لماذا؟
أولاً، إنهاء معضلة اللاجئين السوريين في تركيا، ومنْعُ إقامة كيان كردي بجوارها، أمران في متناول اليد، ولا يحتاجان من القيادة التركية سوى التنسيق مع الحكومة السورية المعنية بعودة هؤلاء اللاجئين، وبمنع إقامة هذا الكيان. هذا يعني أن تركيا غير مضطرة لا لشنِّ عملية عسكرية واسعة، ولا لإقامة منطقة أمنية عازلة لحماية أمنها القومي.
ثانياً، إذا كانت تركيا، بقيادة أردوغان، لا تريد إنهاء الخطريْن آنفيْ الذكر على أمنها القومي عبر خيار التنسيق المباشر مع الدولة السورية، اتصالاً برفضها إعادة تطبيع العلاقة بين البلدين، كأمر يخصها، فإن لديها خيار التنسيق غير المباشر القائم مع روسيا، وللدقة لديها خيار تنفيذ تعهدات أردوغان للرئيس الروسي، بوتين، بالحفاظ على استقلال سوريا، وسيادتها، ووحدة وسلامة أراضيها، الأمر الذي يعادل أن تكف تركيا، ورئيسها تحديداً، عن مواصلة اللعب على حبال التناقض القائم بين روسيا وتركيا تجاه الأزمة السورية، وغيرها من أزمات وصراعات وقضايا المنطقة، والعربية منها بالذات.
ثالثاً، أما القضاء على خطر الجماعات الإرهابية فمهمة الجيش السوري، ويساعد كثيراً في تسريع إنجازها إنهاء تركيا تعاملها مع هذه الجماعات، وفق سياسة «الرقص على رؤوس الثعابين»، كسياسة اعتمدتها، ولعبت فيها دوراً محورياً منذ اندلاع الأزمة السورية وحتى يومنا هذا. دع عنك ضلوع القيادة التركية الذي لم يعد موضع شك، في رعاية هذه الجماعات الإرهابية، وفي دعمها بالسلاح والمال والرجال، من قبلها مباشرة، وعبر السماح لأطراف دولية وإقليمية بإدخال هذا الدعم، عبر حدودها، إلى سوريا، وإلى العراق، أيضاً.
رابعاً، لننسَ كل ما تقدم، ولنفترض جدلاً أن التدخلات التركية في الأزمتيْن السورية والعراقية، هي، فعلاً، تدخلات اضطرارية، ولا مناص منها، بحكم الجوار وطول الحدود المشتعلة مع هاتين الدولتين العربيتيْن، كما تزعم القيادة التركية، فهل التدخلات التركية في شؤون دول عربية لا حدود لها معها، أعني تدخلاتها في مصر وليبيا، عبر دعمها لجماعة «الإخوان»، وفي الأزمة الخليجية الداخلية، عبر دعمها لدولة قطَر، لدرجة إقامة قاعدة عسكرية فيها، هي، أيضاً، تدخلات اضطرارية لحماية الأمن القومي التركي؟
قصارى القول: إن تركيا، إنما تحصد، اليوم، الثمار المرة لسياسات قيادتها، ومغامراتها، وانزلاقاتها التي لا تريد التراجع عنها، أو الاعتراف بفشلها، أو الإقرار بكارثيتها، وسوء عواقبها، على دول المنطقة، وبضمنها، وربما، في مقدمتها تركيا، الدولة والشعب والمجتمع والأمن القومي. فضلاً عن أن دون إقامة المنطقة العازلة التي تفكر فيها، خرط القتاد، بحسبان أنها تحتاج إلى موافقة هيئة الأمم المتحدة، وفي أدناه، إلى مشاركة دول كبرى إلى جانب الولايات المتحدة، التي لا يدري أحد ما هي غايتها من وراء تغيير موقفها المفاجئ من إقامة هذه المنطقة، ولا ما هي حدود استعدادها للانخراط في توفير متطلبات إقامتها من إقامة حظر جوي، ومن تكاليف مالية باهظة، ومن استقطاب دعم دولي. فضلاً عما يعترض العملية العسكرية التي تهدد بها، وتحشد لها تركيا، من كوابح سياسية وميدانية، أهمها، وليس كلها، الكابح الروسي، دع عنك التكاليف المالية الباهظة التي يتطلبها، والمخاطر الجسيمة التي ينطوي عليها تنفيذ هذه العملية الزائدة المجنونة والمغامِرة.

