ليس كافيًا أن تزور مصر أربعين مرة (كما فعلت) لتفهمها ما لم تقرأ كتاب "شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان" لجمال حمدان.
صحيح أن "النيل هبة مصر" كما يقول ابو التاريخ هيروديت، لكن أخشى أن أقول انه مصيبتها أيضًا. وبسبب عظمة وقوة النيل وضعف الفرد العادي في مواجهته كان لا بد من نشوء أول سلطة مركزية لا بل أول دولة في التاريخ في مصر.
ولربما أن تراث النيل هو السبب في وجود أضخم وأعقد جهاز بيروقراطي في العالم في مصر.
وإن كان لا بد من حاكم لتنظيم موارد النيل والعمل على تجنب مخاطره فقد اصبح هذا الحاكم هو الإله في آن واحد. ومن مصر بدأت عبادة الحكّام ولربما ما زالت موجودة في العديد من الأنظمة الاستبدادية.
ومع مجيء الإسلام فإن دولتين عميقتين هضمتاه ولم يلغ هويتيهما التاريخيتين وهما مصر وإيران.
وعلى هذه الخلفية يبدو أن الإخوان المسلمين (ومرسي) ومن يعتقد أن مواجهة الدولة المصرية تكون بالقوة، لم يفهموا التاريخ. فالدولة المصرية، مثلها مثل اي دولة، لها حق احتكار سلطة الإكراه أو ما يسمى شوكة القانون وهذه السلطة تختلف عن الإرهاب الذي هو قوة لا تسنده المشروعية. ولم يعد كافيًا بيان الحكم الشرعي من ناحية دينية بفعل أو امتناع بل لا بد من سلطة سياسية لتنفيذ الأحكام وهي الدولة. وحتى في الحالة المثالية لوجود دولة إسلامية لا يجوز لأحد الناس تنفيذ الأحكام بحق المخالفين.
إن مواجهة الدولة المصرية بمشاركتها احتكار القوة من قبل الجماعات المسلحة في سيناء لا يمكن أن تقبل به الدولة المصرية العميقة سواء كان حاكمها جمال عبدالناصر أو السادات أو السيسي.
لقد أخطأت جماعة الإخوان باعتقادها بإمكانية الجمع بين السلطة السياسية (القوة) وسلطة الدين (الشرعية) في مصر تحت اعتقاد بأنها فرصة تاريخية لهم إذا لم يستثمروها فلن يصلوا إلى السلطة إلى الأبد. وكان نظراؤهم في تونس أكثر ذكاء وحكمة ولربما بسبب عيش اغلب قادتهم في المنافي باوروبا.
لقد استعمل مرسي كلمة "الشرعية" في آخر خطاب له قبل عزله أكثر من سبعين مرّة، معتقدًا أن مجرد مجيئه للسلطة عبر الانتخابات هو غطاء لجعلها آخر مرة، غير مدرك أن الأمة هي مصدر السلطات، وهي مستودع المشروعية الأعلى وتستطيع سحبها متى أرادت من الحاكم إذا خرج عليها.
باستعمال السلاح ضد الدولة المصرية والاغتيالات والتفجيرات يخطئ الإخوان مرة أخرى في اللعب، ويبدو أنه يلزمهم خمسين سنة (بعد إعدام سيد قطب) أخرى لاستيعاب الدرس.
نقلاً عن: العرب اليوم

