Menu

هل دقت ساعة المشروع النهضوي العربي وفلسطين؟

أحمد قطامش

مقدمة:

قد يبدو العنوان أعلاه مثيراً أو رومانسياً، أما الإجابة عن السؤال  فتسعى لتقديم وجهة  نظر تحليلية تحاول أن تستشرف المستقبل انطلاقا من قراءة الواقع.

طبعا لايمكن أن يكون هناك  قراءة يقينية لتفاصيل المستقبل، ولكن دون محاولة من هذا القبيل تمسك باتجاه الحركة يضيع خط السير ويتشتت وتكون الجهود مجرد ردات فعل هي أحد الأمراض الشائعة.

فلو لم يكن لدى عبد الناصر حلماً لما قاد حركة الضباط الأحرار التي أطاحت بالنظام الملكي الإقطاعي إلى غير رجعة واسقاطات ذلك عربياً، ولو لم يكن لدى ماو تسي تونغ رؤية مستقبلية لما انتصرت ثورة في بلاد شاسعة تكاد الأمية تصل فيها  إلى  99% بينما الكهرباء لا تضيء إلا بقعاً متناثرة،  ولما ولدت الصين العملاقة التي نعرفها اليوم بمشاريعها الضخمة التي لم يعرف التاريخ لها مثيلا.  ولو لم يتوافر الشرط القيادي الصلب برئاسة بشار الأسد مستميتأ في الدفاع عن وحدة سوريا وسيادتها مسنودأ بالحلفاء لأصبحت جحافل داعش وشذاذ الأفاق من توابع الرجعية النفطية والامبريالية والعثمانية يجتاحون سوريا من الباب إلى المحراب ولبنان و الأردن والمجتمع الفلسطيني في الوطن المحتل.

ولو لا تصميم فيديل كاسترو على هدف الاطاحة بنظام باتيستا الديكتاتوري المتخلف , وهو يقاتل مع رفاقه الأثني عشر في غابات هافانا لما انتصرت الثورة وباتت منارة للكرامة القومية والثبات على المبدأ والتضامن الأممي منتشلأ شعبه من هوان الفقر والذل والانحطاط الى انجازات تقدمية واشتراكية تفوق الدول المحيطة رغم الحصار الأمريكي والمؤامرات التي لا تتوقف.

قبل المضي قدما في الحديث عن المشروع النهضوي العربي المطلول، من الأفضل أن نلقي نظرة على الواقع الذي ينهض فيه هذا المشروع، ويحمل مضامينه.

المشرق العربي في عين العاصفة:

 

يمكن النظر لسوريا بأنها المرآة المقعرة للصراع في الأعوام الأخيرة , وكانت تصريحات القادة الصهاينة , وبشكل أخص بيرس, تقول إنه لولا كامب ديفيد مع مصر لما وقعنا اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين , ولولا أوسلو لما وقعنا وادي عربة , مع الأردن, أما التوقيع مع العواصم العربية فهو يبدأ من دمشق , بينما سوريا كانت ظهيرأ قويأ لحزب الله وكذا للمقاومة العراقية ناهيكم عن التسهيلات للمقاومة الفلسطينية , ودون أن تفتر لها همة في التمسك بحدود 67 (كنت أسبح على شواطئ طبريا في طفولتي ) حافظ الأسد.

ولم تخف أمريكا وتل أبيب سعيهما لتقسيم العراق وتقسيم وسوريا وتحطيم جيشهما , وهذا أعلنه صراحة بايدين الذي اصبح نائبأ للرئيس أوباما في تقاطع مع أهداف تركيا بتطلعاتها العثمانية و السعودية ودول الخليج التابعة حتى نخاع العظم لسياسات البيت الأبيض من جهة والمناوئة للنموذج السوري الحداثوي والعلماني والحليف الموثوق لخصمها المذهبي والسياسي ايران من جهة أخرى.

جرى احتلال العراق وهدم الكثير من مقومات الحياة في إذكاء الصراع المذهبي والعرقي إلى أبعد مدى , وسيطر الدواعش على معظم الجغرافيا السورية وشهد الشعب السوري حركة نزوح داخلية ولدول الجوار بالملايين , وكان رهان المؤامرة الدولية إسقاط دمشق ومن بعدها الساحل , وجاءت النتائج على عكس المخططات. فصمد النظام وقاتل الجيش والدفاع المدني و انخرط حزب الله من الرأس الى الكعب في معارك طاحنة بدعم روسي وإيراني وقوى شعبية أخرى.

لولا صلابة  محور المقاومة وانتصاره المدوي لأمكن تصور الدواعش يحكمون دمشق ويذبحون حزب الله وبيئته الاجتماعية في لبنان ويكتسحون عمان ويخترقون على نحو علني المجتمع الفلسطيني. فالشعب الفلسطيني كما سواه غير محصن ومأزوم ويمكن النفاذ من شقوقه واختلالاته وبالتالي تصفية قضيته وتفكيكه إلى مجتمعات لا ناظم لها ,

لم ترفع امريكا في عهد إدارة اليمين المحافظ العنصري الراية البيصاء وهي تحاول استعادة المبادرة في الصراع الجيوسياسي على  الشرق الأوسط , غير أن أدواتها باتت هزيلة في سوريا والعراق , حتى  أن القيادة الرسمية الفلسطينية التي وقعت على أوسلو وتساوقت على امتداد ربع قرن قالت لا جهارأ نهاراً لصفقة القرن.

ويحتدم الصراع من جديد , ولكن لينتقل مركز الثقل للضغط الأمريكي-الإسرائيلي على إيران دون التوقف عن إطالة أمد الحرب في سوريا والخروج ببعض المكاسب في العراق وتغطية التوسعية الاستعمارية الإسرائيلية واستباحة ما أمكن من فلسطين ووضع الشعب الفلسطيني على حافة التطهير العرقي.

وطبول الحرب تقرع في الجبهة الشمالية و وقف النار على حدود غزة هو اكثر هشاشة من شبكة العنكبوت , ومحاولة احتواء غزة ببعض الإغراءات الاقتصادية لفصلها عن محور المقاومة لا تؤتي أكلها.

ولترتيب الإقليم لا مهرب من دوران عجلة انتصارات محور المقاومة أو دوران عجلة محور معسكر الأعداء. أما المعطيات القائمة فهي مؤقتة ولن تصمد طويلأ.

وهنالك قول أن الطابع العام لمحور المقاومة هو ديني , وأن ما ينتظر العربي هو مشروع ديني وهذا يستحق الفحص والتفنيد.

فالنظام الإيراني ثيوقراطي , وهذه حقيقة , ولكن ما تحركه أولا هي المصالح القومية للدولة , وفرصته للنفاذ وتقوية المصالح مع العرب توجب عليه أن يبتعد عن الخطاب المذهبي , ذلك أن الشيعة العرب أقلية , ناهيكم أن النظام السوري هو علماني أو أقرب إلى العلمانية , ومن هنا تركز القيادة الإيرانية خطابها على المقاومة ورفض الاستكبار.

أما حزب الله فهو وإن كانت مرجعيته دينية غير إنه وطني وقومي بالأفعال والتحالفات أكثرمن أي فريق وطني وقومي , بل وأحرز انتصارات في لبنان لم يقوُ عليها سواه , وهو معبأ ومسلح لاستمرار المعركة مع الكيان الصهيوني وتهدد صواريخه المؤسسات والتجمعات الصهيونية في أرجاء فلسطين التاريخية.

أما الدور الأعظم شأنأ في المرحلة المقبلة , فهو دور سوريا , فهي من سيكون في الخط الأمامي ليس لاسترجاع الجولان فقط بل وفي التخندق مع محور المقاومة سواء اقتصرت الحرب على الجبهة الشمالية أو امتدت إلى حرب اقليمية.

بل و لا يمكن تصور سوريا الجديدة، ولا يمكن إجراء المزيد من التسويات الداخلية وصولا إلى صياغة دستور  وإنهاء ملف إدلب و الشريط الكردي إلا بتجاوز العيوب التي نفدت منها النيران التي اشعلت الأزمة السورية.

وأكثر من ذلك، فمن المتوقع ان تتبوأ سوريا صدارة المشروع النهضوي القومي العربي، فهي دولة عربية وازنة، وأثبتت صلابتها في التصدي لمخططات الأعداء، وأدركت أنها وحدها لا تستطيع حماية نفسها و سيادتها. و السير في طريق التنمية يتطلب العامل العربي و بالتالي الإقليمي الصديق وصولا إلى الاممي المناهض للهيمنة الإمبريالية.

صحيح أن الاولوية لإعادة البناء و عودة النازحين جنبا إلى جنب مع معالجة ملف إدلب و تطهير الأراضي السورية من جيوب الإرهاب و الوجود العسكري الاحتلالي التركي و الأمريكي.. وصولا ألى توسية المسألة الكردية ولكن من الصحيح أيضا أن الميزان الاستراتيجي قد اختل لجهة الدولة السورية التي باتت مع حلفائها قادرة على الحسم.

إن ثغرات عديدة في التحليل سابق الذكر، غير أن جوهر الأمور هو كذلك. ومن هنا فتح التاريخ أبوابا جديدة للشعب الفلسطيني و مقاومته.

فثمة أطراف عربية و إقليمية هي في جبهة الصراع مع أعداء الشعب الفلسطيني، و قادمات السنين من شأنها أن تبلور المزيد من الإرادة و الإمكانات في الشارع العربي و العواصم العربية للالتحاق بجبهة الصراع.

وبداهة لا يمكن فصل الحلقة السورية عن الحلقة اللبنانية التي رجحت فيها الكفة لخيار المقاومة محاربة الفساد، وهذا كله سوف ينعكس بدرجة من الدرجات على الشارع الأردني و خيارات القصر.

أما العراق، هذا البلد العريق، فقد مر بمحطات رهيبة في العقدين الأخيرين، من احتلال عسكري أمريكي و عالمي إلى تأجيج الآفة المذهبية المسيسة و منها أصبحت معقلا للإسلام الدموي المنفلت من عقاله وصولا إلى امتداد الدولة الداعشية إلى معظم العراق و سوريا و التأهب لاجتياح بغداد و دمشق، وانتهى كله بإعادة بناء الجيش العراقي و إطلاق الحشد الشعبي فحررا الأرض العراقية من شتى أنواع الإرهاب التكفيري المنغلق وكان لثقلهما الدور الأساس في احباط إقامة دولة كردية تدخل العراق في دوامة لا نهاية لها من الحرب و المآسي.

لقد عرف العراق طبعة للتناحر المذهبي السني و الشيعي مثلما عرف قتالا باسلا ضد أعتى آلة عسكرية أمريكية و أشرس ترجمة للوهابية المدججة بالسلاح و زهو الانتصار السريع الموشح (بإرادة السماء).

وفظاعات النزاعات المذهبية و إن تعرت و تكشف وجهها القبيح غير إنها لن لم تصل إلى نهاياتها بعد، فما انفكت غالبية الخارطة السياسية كما النظام السياسي قائم على التقسيمات المذهبية و العرقية، مع عدم تجاهل تيار متعاظم يدعو لدولة المواطنة و سلطة تكنوقراطية عابرة للمذاهب و الديانات و القوميات.

 و الجديد في الأمر هو تحسن العلاقات بين دمشق و بغداد واعادة بناء جزئية للجيش و اتساع رقعة القوى السياسية و العسكرية الشعبية التي تجاهر بعدائها للامبريالية و غدتها السرطانية و ديناميات ذلك مستقبلا.

وختاما لهذا الجزء  وإن احتاجت الساحة الفلسطينية لتحليل مسهب منفصل، غير أن المكان يستدعي النقاط التالية :

1.     لم تعد القيادة اليمينية التي وقعت على اتفاق أوسلو قادرة على فرض خيار سياسي فئوي على الشعب الفلسطيني، فموازين القوى لا تسمح لها .

2.     لا تسمح ثقافة المقاومة و قوى المقاومة في غزة بأي خيار غير خيار المقاومة و الاستعداد للمواجهة مهما التبست بعض التكتيكات ارتباطا برفع الحصار التجويعي عن قطاع غزة .

3.     لا يبدو أن الفجوة بين قيادة فتح وسلطتها وبين قيادة حماس و سلطتها  قابلة للتجسير و الردم في الأشهر المقبلة، أما الموقف الوطني المسؤول فهو الداعي للملمة الساحة الفلسطينيية من خلال انتخابات شاملة و في المقدمة المجلس الوطني بناء على مخرجات اللجنة التحضيرية في بيروت 2017، يوجب ذلك ضرورة عدم تكريس الانفصال بين غزة و الضفة و إيجاد مرجعية شاملة للشعب و مواجهة صفقة القرن و الاستباحة الاستعمارية الشاملة لكل ما هو فلسطيني. وطالما لا يتحقق ذلك فالباب مفتوح للتعاون الميداني و كل أشكال الاصطفاف المدافع عن الشعب و حقوقه الوطنية.

4.     لقد وصلت مسيرة أوسلو لنهاياتها دون تحقيق أي هدف وطني، و هذا يدفع الشعب الفلسطيني دفعا للتهيؤ للمرحلة القادمة سيما و غيوم كثيفة تتلبد في سماء المنطقة.

5.     بناء  على الانتصارات الجيوسياسية للحلف الروسي - الإيراني - السوري في الإقليم، فهذه الانتصارات إنما تهيئ مناخات مواتية للاتجاهات العربية و الفلسطينية المناهضة للهيمنة الأمريكية و الكيان الصهيوني و بداهة من يرتهن لهما، يستفز هذه الاتجاهات انتقال قاطرة التطبيع من السر إلى العلن و المضي في طريق إعداد مقدمات الحلف الأمريكي الصهيوني الرجعي العربي.

6.     لقد بلغت معطيات الشعب الفلسطيني من عامل ديموغرافي و إرث نضالي و مستوى علمي و كمون على كل الصعد سيما في القطاع الشبابي مما يجعله عصياً على التبديد و رفع الراية البيضاء. بل إن صفقة القرن و قانون القومية اليهودية و الضغوط لشطب حق العودة و التنكيل اليومي في الضفة يحفز الإرادة الفلسطينية للمواجهة المشتركة على قاعدة شعب واحد ومصير واحد تمهيدا لشعار التحرير و الحل الجذري الديموقراطي آخذين بالحسبان صعود قوى عربية و اقليمية تأبى الاعتراف بالكيان الصهيوني.

ما هو المشروع النهضوي العربي المطلوب؟

قد تتعدد التعريفات للمشروع النهضوي، كما تتباين شأن تعريف أي مسألة سيسيولوجية ولكن التحليل ادناه ذهب للمساحات والمضامين التالية التي تحكمها قاعدة راسخة هي تجاوز الراهن والانتقال لمرحلة تاريخية أعلى بما هية جديدة على طريقة الثورات الجذرية التي عرفتها الشعوب في إطار الخصائص العربية بالإشارة إلى مقولة ترددت غير مرة " من المجرد العام إلى الملموس الخاص " -ماركس-وقانون التاريخ المعلن أن الأمم المتطورة هي صورة مستقبلية للأمم الأقل تطوراً ضمن شروطها وخصائصها.  فلم يكن ثمة برجوازية وعلاقات انتاج رأسمالية بما صاحبها من علوم وصناعة ومدن عصرية وطبقات جديدة وديموقراطية سياسية منذ قرنين ولكنها تتفشى منذ وقت في أربع جنبات الكرة الأرضية بهذا القدر أو ذاك يهيمن عليها معادلة مركز ومحيط. مركز ينتج وينهب ومحيط يستهلك وينتهب.

ولم يكن ثمة فكر اشتراكي وحركات اشتراكية وبلدان تقودها أنظمة اشتراكية وهاهو الفكر والحركات والأحزاب في كل مكان حتى ليتعذر وجود تجمع أو مدينة أو جامعة يخلو منها. وبلدان وازنة تقودها أحزاب ماركيسية- لينين ية سيما الصين الشعبية (20% من البشرية) وفيتنام بأكثر من 100 مليون نسمة وتجارب يسارية في أمريكا اللاتينية وصراع محتدم هنا وهناك.

والمشروع النهوضي العربي يشمل كافة الميادين ويتعرض لكل بني المجتمع العربي الفوقية والتحتية، ال قطر ية والقومية، وعلاقات الأمة بالأخر سواء كان صديقاً أو عدواً، في الإقليم أو في العالم.

ولا نحتاج لإسهاب القول أن الأمة العربية مجزأة وأن السيادة العربية مهدورة ومصادرة والثروات منهوبة ومبددة، والتجزئة سيدة الموقف، وقد وصلت حد الصراع المذهبي والطائفي والعرقي, وأنظمة تغلب عليها التبعية وتنفيذ إملاءات "السيد الأمريكي" وقمع الشعوب وتيئيسها في ظل غياب مشروع قومي وقيادة قومية وحركة تمتد في طول وعرض البلاد العربية على غرار الحزب الاشتراكي-الديموقراطي في روسيا متعددة القوميات والأعراق الذي قاده لينين قبل انتصار ثورة اكتوبر.

والمؤتمر الوطني الأفريقي الذي هم مئات الحركات والهيئات والأطر كتجسيد حي للكتلة التاريخية التقدمية التي دحرت نظام الابارتهايد بقيادة مانديلا.

فهل يصدقن أحد أن أمة تناهز 400 مليون نسمة تنتج سنوياً 2 ترليون دولار نصفها طاقة, وأن حجم ودائعها في البنوك الغربية أكثر من تريليون دولار لا تستفيد منها العجلة الاقتصادية العربية بينما تتراكم على العرب مديونية تقترب من هذا الرقم بقائدة تصل 6-7% وشروط سياسية،  فيما البطالة 30% والفقر اكثر من 40% وهجرة لمئات آلاف العقول للغرب ومرأة تعاني من شتى اصناف البطريركية،  وتكدس فلكي للثروات في الخليج والشرائح العليا دون أي قدر من توزيع المنافع وعلاقات القوة، يطغى على ذلك شريحة طبقية  كومبرادورية وبيروقراطية افسدتها حياة القصور , وفيما رأسمالية المركز تنتقل من الثورة الصناعية الى الصناعة الثقيلة فالثورة التقنية والرقمية وما يصحبها من منجزات علمية واجتماعية تتفنن غالبية البرجوازية العربية واقلام وشيوخ السلطان بالارتماء في احضان الغرب وصفقات الأسلحة والتبذير من كل الطرز , دون أن تتعلم شيء من الوثبات الباهرة في الصين والبرازيل والهند في العقود الأخيرة والتي لم تكن أفضل حالا من العرب وخضعت للكولونيالية كما العرب.

إن طاقات الأمة العربية هائلة ومتنوعة , ولكن ما يستنزفها ويبعثرها هي النظم العربية والشرائح العليا التي تدور في الفلك الأمريكي ومنظوراته الليبرالية الجديدة. وبينما تقوم الدولة بدور مركزي في التنمية وسياسات اجتماعية تخدم بهذه الدرجة او تلك الطبقات الشعبية , تتنصل معظم السلطات العربية من هذا الدور ومعها النخب التي تتكدس في أيديها مئات المليارات من الدولارات. و يكفي القول ان حجم ودائع البرجوازية المصرية في العواصم الغربية يصل 340 مليار دولار وضعف هذا الرقم لأمراء الخليج.

أما أن تغطس النظم العربية في القطرية , وأن تحتكر نخبها السلطة فهي تنكر حقيقة أن الدولة القطرية استنفدت طاقاتها التقدمية منذ عقود , فارتد النظام المصري , وتشوشت المسيرة الفلسطينية على نحو يهددها , ولم تحافظ العراق وسوريا و ليبيا على كينونتها وكادت مصر أن تلحق بها , اذ لم يعد ثمة متسع لبناء دولة قطرية مستقلة اقتصاديا وسياسيا وسيادة تحكمها مؤسسات وقوانيين وتتمتع شعوبها بقدر من الاستقرار الاقتصادي والحريات والكرامة , فكان ذلك تربة خصبة لمؤامرات اقليمية ودولية وحركات ارهابية دموية لم يشهد التاريخ لها مثيلا الى درجة بيع النساء والمقابر الجماعية وهدم الاثار الحضارية و ذبح هوليودي للناس وفرض قوانين تجاوزتها البشرية منذ قرون.

وتأسيسأ عليه , فالمشروع النهضوي العربي يسعى ل :-

1- التحرر من الهيمنة الامبريالية ونظم التبعية والمحوطة.

2- التحرر من المذهبية والطائفية والعرقية وسيادة المواطنة والدولة المدنية.

3- السير بعيداً في طريق التنمية المستقلة التكاملية والتعامل المتكافئ مع العالم.

4- إشاعة الحريات والديموقراطية وسيادة القانون.

5- إقامة أوسع الإئتلافات والتحالفات المناهضة للتخلف والقرون الوسطى ومعكسر الأعداء الإمبريالي  / الصهيوني/ الرجعي / البرجوازي المستسلم.

6- المضي بثبات وإن بتدرج نحو الوحدة العربية وتأسيس الدولة القومية التقدمية.

7- إقامة جبهة عربية شعبية ورسمية لتحرير فلسطين, ففلسطين هي البوصلة, وبتحرير فلسطين إنما يفتح المجال لتحرير اليهود من الصهيونية العنصرية وإقامة (دولة ديموقراطية وعلمانية) د.حبش، في اطار عربي تقدمي و وبالتالي تخليص الاقليم من اهم قاعدة متقدمة للامبريالية.

8- السير في طريق انهاء استغلال الانسان لأخيه الانسان واطاحة البطريركية والحجر على العقول والحق في الاختيار نحو (نحو التحرير الشامل للإنسان) ماركس.

9- إطلاق مشروع ثقافي نقدي تحريري من كل الاغترابات يصل إلى النخب والجماهير.

وهذا كله يقتضي بناء قاعدة اجتماعية واسعة وكتلة تاريخية قادرة يخفق في قلبها حركات وجبهات تحمل على أكتافها مضامين هذا المشروع والنضال من أجله والتضحية في سبيله.

القوى الاجتماعية / السياسية المرشحة للمشروع النهضوي

موضوعيأ , وفيما عدا الأوساط والفئات والأنظمة المرتبطة  بالإمبريالية والجاثمة على صدر الشعوب العربية والمعادية للمشروع النهضوي , فالاغلبية الساحقة من الأمة العربية لها مصلحة في المشروع النهوضي العربي وهو يخدم تطلعاتها , وهناك مروحة واسعة من التيارات السياسية والقوى الاجتماعية والثقافية , هي التربة الخصبة لهذا المشروع عربية و غير عربية من الأقليات،  ويقف في المقدمة الاتجاهات اليسارية التحررية والاتجاهات القومية التحررية والاتجاهات الدينية المقاومة.

وإن التعبير الغرامشي ( الكتلة التاريخية التقدمية ) هو توصيف ملائم بما يتضمنه من فئات عمالية وفلاحية وطبقة وسطى وأوساط برجوازية  تقدمية,الأمر الذي يوجب نضالأ مشتركاً , والقوى الوازنة التي تنغمس أكثر في النضال وتحرز أكثر من النجاحات هي التي تعبد الطريق أكثر للمشروع النهضوي.

ودون اسقاط عبارات أيدلوجية عن الطبقات ومزاياها والاتجاهات الفكرية وأبعادها, هنا القلعة فلتقفز هنا ,  في مرحلة انتقالية تشوهت فيها السياسات والأيديولوجيات. فالأكثر ثباتأ على المبادئ والأهداف النهضوية والتحريرية هو الذي يستحق أن تخلع عليه لقب طليعة أو الأكثر طليعية.

لقد تجاوز حزب الله اتفاقية سايكس-بيكو اكثر من أي قوة اخرى , تجاوزا معمدا بالدم والفاعلية , وصمد نظام دمشق في وجه أعتى مؤامرة دولية وإقليمية ومئات آلاف الجهاديين من مئة دولة ويزيد محافظا على وحدة سوريا وسيادتها وبدعم سخي من الحلفاء.

 لم يعرف المشهد العربي في العقد الاخير الأزمات والدماء والدمار والمآسي الإنسانية المروعة فقط وجهود حثيثة لتفتيت الدولة الوطنية وتحطيم الجيوش العرية في غير بلد , بل وتخلل هذا العقد أيضا سقوط المشروع الداعشي ومن قبله المشروع العثماني الذي اعتبر سوريا أرض جهاد , ووصول خيار أوسلو إلى نهاياته وتبخر أوهام الرهان عليه , كما صعود قوى تردد ( الموت لأمريكا , الموت لإسرائيل)  في اليمن بموقعه الاستراتيجي خصوصا باب المندب , وتحول قطاع غزة المحاصر والمجوع لغابة بنادق وقوة ردع تخشى العقلية العسكرية الاسرائيلية اجتياحه وصولأ إلى تبلور محور المقاومة ودينميات انتصاراته.

إن التاريخ يفتح أذرعه لمرحلة جديدة ومشروع جديد , فهو لا يعرف الفراغ. ومثلما مهد عجز المرحلة الإقطاعية وما ارتبط بها من رؤى وايديولوجيات الطريق للتشكيلة الاقتصادية-الاجتماعية الرأسمالية , ومثلما مهد عجز خليط من عناصر البنية الرأسمالية والإقطاعية والتقليدية الأقرب إلى النمط الآسيوي الطريق للثورة التي مزجت المهام الديموقراطية البرجوازية بالمهام الإشتراكية , والتنموية في روسيا والصين وأمريكا اللاتينية فسوف تمهد مرحلة فشل مخطط معسكر الأعداء و المشروعات المرتبطة به , كما عجز الدولة القطرية وإخفاقات الأنظمة الأوتوقراطية والنتائج التدميرية لكامب ديفيد السادات و ما انتهت إليه أوسلو القيادة الرسمية الفلسطينية ووادي عربة, الطريق لمشروع جديد هو المشروع التحريري والنهضوي العربي. فالتاريخ العربي بات على أبواب مرحلة تاريخية جديدة.

إن إيقاع الزمن سريع , ولم يعد يتقبل تثاقل وتباطؤ الزمن ما قبل عصر الصناعة , ولم يعد الزمن الراهن , زمن الفضائيات وأسواق المال والثورة التقنية يتقبل زمن ما قبل ذلك , ففي عقدين انهارت الكتلة السوفيتية وانتهت أحادية القطبية ,و اجتاحت الكرة الارضية أزمة اقتصادية فاقت خسائرها 30 تريليون دولار بما يتجاوز ثلث إنتاج البشرية ونهضت الصين ولملمت روسيا أوضاعها الداخلية واندفعت لتأدية دور كبير خارج حدودها , وانتهى عصر الدكتاتورية العسكرية في أمريكا اللاتينية واصطبغت بعض مساحاتها باللون الأحمر , وتشكل محور البريكس وطريق الحرير الذي سيمتد من الصين إلى اسيا وأوروبا وشمال افريقيا يملأها موانئ وسكك حديدية و منشأت ضخمة لم يسبق أن عرفتها البشرية وانتقل مركز ثقل المال والاستثمار إلى جنوب شرق آسيا , وقفزات علمية بسرعة البرق وثورة اتصالات لا تعرف حدودا.

كما عرفت المنطقة انتفاضتين عظيمتيين في تونس ومصر لم تتحولا لثورتيين وخطفتهما قوى محافظة نتيجية غياب وفقر القوى القادرة على السير بهما على طريق الثورة الاجتماعية على غرار ما حصل في فيتنام أو كوبا والصين أو حتى الثورة الفرنسية 1789.

ناهيكم عن تحول إيران لقوة إقليمية مسلحة بصواريخ باليسيتية من شأنها دك مدن على بعد 2000 كم و أهداف عديدة في الإقليم الشرق أوسطي، في تحالف وثيق مع سوريا وداعم مركزي لحزب الله والحشد الشعبي في العراق (300 ألف مقاتل ) بأسلحة خفيفة وثقيلة ( ذلك أن  بيروت ودمشق وبغداد خط أمامي للدفاع عن المصالح القومية الإيرانية) رئيس هيئة الأركان الإيراني , وفصائل فلسطين المقاتلة ايضا. وأخيرا تكون وتعاظم قوة محور المقاومة، وهذا يفسح في المجال المزيد من التحولات والمزيد من المواجهات.

خاتمة:

ناقش هذا النص، مسألة تبدو معقدة في ظاهرها وفي ظرفها الجغرافي والزماني، ولكنها أيضا حاسمة وآنية بشكل لايحتمل التأجيل، وقد يبدو للقارئ، وهو محق في ذلك، أن هذا النص نص جدالي ونقاشي، وهذا ما ذكرناه أعلاه،ـ فاليقين مستحيل في مناقشة القضايا السياسية والاجتماعية، والقصد هو التحرك باتجاه حركة التاريخ الذي لاينتظر أحداً ومحاولة اللحاق به، ويذهب النص إلى أنه قد تمكن من تحديد الأساسي في هذا النقاش، عبر الانتقال من وصف الواقع وتحليل مآلاته وسيروراته، وكيف يدفع هذا الواقع موضوعياً نحو هدف النهوض العربي القادر على التصدي لمعيقات الواقع نفسه، وصولاً تناول من هي القوى التي يناط بها حمل هذا المشروع ودورها في التصدي لقيادته.