ليس بالجديد ولا هي المرة الأولى التي تتبوأ فيها غزة مكانة خاصة إن لم تكن رئيسية في الحدث الفلسطيني المعاصر, وهنا من غير المريح والمناسب العودة كثيرًا إلي الوراء؛ تحسبًا من السعي إلي تقزيم النضال الفلسطيني العابر للجغرافيا والجغرافيا السياسية في حدود غزة، وهذا على الأقل مرفوضٌ مبدئيًا، ولنبدأ من الانتفاضة الأولى 1988، التي ثبتت من جديد فلسطين على عناوين رئيسية في أجندات الساسة العالميين، كما فعلها من قبل ذلك بكثيرٍ وديع حداد، وغيره من عمالقة النضال الوطني الفلسطيني؛ من خلال خطف الطائرات والتطبيق العملي لشعار وراء العدو في كل مكان. لكن الفرق أن فعلَ وأثرَ الانتفاضةِ بدأ في فلسطين وانتهى بفلسطين، بعكس خطف الطائرات الذي بدأ بالخارج وانتهى هناك، ما هو مشترك في الحالتين، هو التأسيس لما بعد ذلك، ولنأخذ ما أسست له الانتفاضة الأولى، وهو ما خصصنا هذه المقالة له.
لقد أسست الانتفاضة الأولى لاتجاهاتٍ إعلامية فلسطينية الجوهر والشكل, مقاومة بدون محاذير الجغرافيا السياسية التي دوما تشتم رائحتها في وسائل الإعلام الفلسطينية في الشتات، هذه المرة البضاعة الإعلامية تصنع وتسوق في فلسطين.
ورغم سطوة القوانين العسكرية الاحتلالية التي طالت مرارًا وتكرارًا، باستهداف مقصود وممنهج، العديد من وسائل الإعلام الفلسطينية، خاصة بحق تلك الوسائل التي لم تهادن الأنظمة ولم تبع صفحاتها الأولى للإعلانات الإسرائيلية في حينه وبالتحديد اليسارية منها، كان لغزة- مهد الانتفاضة الأولى- موقع للجذب الإعلامي والحجيج للمجموعات الصحفية. ومع استمرار الانتفاضة بجماهيريتها وإبداعها والالتفاف الأممي من حولها، كان لغزة كذلك موقعًا إعلاميًا فريدًا وغير متوقعٍ؛ إذ لجأت كُبريات وكالات الأنباء العالمية وصُحفها والقنوات التلفزيونية إلى افتتاح مكاتب ومقرات لها، لتعلن أن غزة تربعت على عرش صاحبة الجلالة الورقية والفضائية.
هذا بدوره خلق جيلًا ممارسًا من الصحفيين والإعلاميين، واصل مساهمته بالانتفاضة منتفضًا عبر الخبر والصورة والتقرير، لتصبح مكانة غزة الإعلامية معزَزةً بطواقم إعلامية مهنية اكتسبت خبرتها وصقلتها خلال المطاردات اليومية بين جنود الاحتلال وأطفال الحجارة وحواجز الزينكو والتنك وإطارات "الكاوشوك"، لتشكل جميعها لوحة سريالية تربعت صورتها على أغلفة كبريات المجلات العالمية.
غزة مركز الحدث مرة أخرى
مع توقيع اتفاقيات أوسلو وتشكل السلطة الفلسطينية، واعتبار غزة مركز السلطة الرئيسي تطبيقًا لنصوص الاتفاق الذي جاء فيه غزة أريحا أولًا، عادت غزة مجددًا إلى مركز الحدث، فلم تقتصر هذه الأهمية على أنها مركزًا للسلطة بوزاراتها ومؤسساتها بل أصبحت محط رحال الرحالة من الباحثين عن الجديد الفلسطيني وآفاقه المستقبلية, ومن الطبيعي في معرض الانتقال الهادئ من حالةٍ حكمَ فيها الملثمُ والبلطةُ والبندقيةُ إلى حالةٍ مؤسساتيةٍ سلطوية تحكمها مخلفاتٌ قانونية لكل من عبروا غزة محتلين كانوا أم منتدبين، كان للإعلام ركنٌ خاص ازدهرت من خلاله المحطات الإذاعية والصحف المحلية، التي حاولت أن تنقل التجربة الإعلامية في الشتات بشكل حرفي، إلا أن خصوصية الظرف الفلسطيني وتجربة الحكم الوليدة أرخت بظلالها على هذا، فأصبحت وسائل الإعلام تمثل مختلف ألوان الطيف الفلسطيني، وفق محددات جديدة. صحيحٌ أنه لم يعد يوجد فيتو على إنشاء الوسيلة الإعلامية كما كان في زمن الاحتلال, لكن مع اشتداد عصب السلطة وقوة أجهزتها، باتت وسائل الإعلام تحت المجهر ومقص الرقيب السلطوي، الذي لم يكن ينتظر أن يأخذ القانون مجراه، بل كان يلجأ إلى القوة في معالجة القضايا ذات الصلة بوسائل الإعلام, رغم هذا كان المظهر العام تنويريًا وديمقراطيًا بدون شك، وكان للإعلام وللإعلاميين صوتٌ مسموعٌ سواء كان مباشرًا أو مقروءًا أو مكتوبًا.
ليس بالإمكان تنظيم وانطلاق مسيرات العودة ذات الطابع السلمي بغزة، في 31 مارس 2017، لو لم تستوعب حماس مثل هذا الشكل النضالي والذي مضى على اشتقاقه وممارسته سنوات طوال في الضفة الغربية وتحديدًا في قرى بعلين ونعلين وتشكيل لجان قيادية لإدارة هذا الشكل من الأشكال والأنماط السلمية. رغم ذلك لم تخلُ مسيرات العودة وكسر الحصار ذات الطابع السلمي من التكتيكات التي حملت رسائل عنيفة، مثل البالونات الحارقة والطائرات المسيرة مما أوصل الأمور إلى مستوى من الفعل ورد الفعل، هدد بحربٍ جديدة, لم تكن لهذه التطورات أن تحصل بمعزل عن الإبهار والنجاحات التي حققتها مسيرات العودة التي استطاعت أن تحرك المياه الراكدة وتكسر حالة الصمت تجاه حصار غزة, والأوضاع المأساوية التي يعيشها المواطنون.
لقد صاحب مسيرات العودة منذ البداية جهدٌ إعلامي فلسطيني مُركّز، تم الإعداد له بإتقانٍ وتوفير البنية التحتية الاتصالية في ساحات الاشتباك، سواء الكهرباء أو الانترنت ووسائط النقل والأماكن الخاصة بالصحفيين إلى جانب أجهزة البث. كل ذلك أعطى قوة دفع إعلامية من خلال التدفق السريع للمعلومات والأخبار والصور والتجاوزات بل الجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال. وكان لاستهداف الصحفيين أثرٌ إيجابيّ في فضح سياسات الاحتلال والجرائم التي ارتكبها بحقهم، وكان أبرز هذه الانتهاكات استشهاد كل من ياسر مرتجى وأحمد أبو حسين وإصابة آخرين.
الوهجُ والصدى الإعلامي لمسيرات العودة وكسر الحصار في ظل الوضع العربي المتردي والمجافي للعمل المقاوم والانحياز الأمريكي الفاضح لدولة الاحتلال. هذا الظرف المجافي لم يكن بالإمكان كسره وتجاوزه لولا أن وسائل الإعلام الفلسطينية والسياسيات الداخلية لها مارست انحيازًا كاملا لهذه المسيرات ولأهدافها، لتكتمل الصورة بين الجهد البشري المنتفض والجهد الإعلامي، الذي يُروّج ويُحرّض ويُعبّئ ويفضح جرائم الاحتلال.
قد يقول قائلٌ إنّ أعمالًا احتجاجية واسعة وأكثر أهمية من الناحية الإستراتيجية تجري في مناطق متعددة من الضفة المحتلة، لأن المعركة هناك على الأرض وبشكل مباشر مع المستوطنين وقوات الجيش، ولا أسلاك تفصل بينهم، وهذا صحيحٌ بالتأكيد. التساؤل "لماذا غزة وليست الضفة؟" بات مشروعًا وفيه وجاهةٌ عالية.
قد يكون أحد أهم الأسباب أن سلطة غزة "حماس" والفصائل الأخرى تتبنى مسيرات العودة، وشكلت غرفة عمليات مشتركة لإدارتها، في حين أن الأمر مختلف تمامًا في الضفة, إلى جانب تمركز العديد من وسائل الإعلام والفضائيات المهمة في قطاع غزة والتي تتبع لحماس أو الجهاد الإسلامي، وهي من القوى الأبرز، خلف مسيرات العودة.
استخلاصات
إن تخصيص هذه المساحة لغزة عن غيرها، وهي اتجاه قُطريّ، فما بالكم لو تناولنا الإعلام العربي ووسائله، وتساءلنا: كم من المساحة الزمنية أو المكانية تخصصها هذه الوسائل للموضوع الفلسطيني أو للقضية الفلسطينية؛ بالكاد تجد خبرًا أو اثنين، حتى الكُتّاب العرب لم يعودوا يتناولون الموضوع الفلسطيني كما السابق, بتقديرنا مردّ ذلك هو أن العديد من الأنظمة العربية ذات الاتجاهات القومية كانت تدعم الصحف ووسائل الإعلام، وهذه الأنظمة لم يعد لها وجودٌ الآن، إلى جانب أسباب أخري عديدة وجوهرية، أبرزها حالة التفكك والانقسام التي تعاني منها الساحة الفلسطينية منذ أكثر من 12 عامًا. ولنسأل بعضنا: كم من وسائل الإعلام الفلسطينية سلطت الضوء عبر تحقيقٍ استقصائيّ أو غيره عن المهجَّرين في مدينة الفلّوجة العراقية أو محافظة الأنبار، منذ سنواتٍ طِوال، أو عن الجرائم التي ترتكبها إدارة ترامب وأدواته الخليجية بحق الشعب اليمني، لماذا؟
نقول إن إغراق الإعلام الفلسطيني بالمعالجة والسياسات القُطريّة "أي فلسطنة هذا الإعلام من حيث المحتوى"، سيُبقي وسائلُه تُحاكي بعضها البعض، ولا تُسمِع للآخرين، إلا من رحم ربك. والنتيجة نكون بقصدٍ أو بغير قصد عززنا نزعة "يا وحدنا"، التي هي في الأصل تتنافى وأبجديات الصراع العربي الإسرائيلي!
لذا نحن مطالبون بإيجاد المعالجات اللازمة لهذا الخلل، والتي لن تتأتّى إلا بوضع إستراتيجية إعلامية تحدد أهدافنا المستقبلية وما الذي نريده من الأشقاء العرب وما الذي يريدونه منّا، والسؤال: هل بالإمكان تحقيق ذلك فيما تنقسم معظم وسائل الإعلام الفلسطينية أفقيًا وعموديًا بين طرفي الانقسام؟! بالتأكيد لا. وهنا لا يسعنا إلا أن نؤكد على أهمية تحقيق الوحدة التي بدورها تعكس نفسها على تفاصيل الحالة الفلسطينية.

