في نهاية عام 2015، عندما حرقت قطعان المستوطنين عائلة الدوابشة أحال بنيامين نتنياهو تلك الجريمة الفظيعة لأول مرة في تاريخه إلى «الإرهاب اليهودي». قبل أسبوع حذرت قیادات أمنية «إسرائیلیة» من احتمال حدوث تصعید في عملیات الإرهاب الیهودي التي یقوم بها ناشطون من الیمین المتطرف لیس تجاه الفلسطینیین فحسب، بل تجاه أجهزة الدولة الرسمية وذلك بعد محاولة إخلاء «كرفانین» أقیما بصورة غیر قانونیة في عمونة، ومحاولة إجلاء عدد من المستوطنین اعتصموا بداخلهما.
يؤكد الاحتلال أن الإرهاب اليهودي ارتفع بمعدل 300% ضد أجهزتها في عام 2017، وفي سیاق تناول اعتداءات المستوطنین على المواطنین الفلسطینیین كتبت عمیرة هاس في «هآرتس» تقول: «إن الإرهاب الیهودي يسعى إلى السیطرة على الفضاء الفلسطیني المتبقي هنا»، وتابعت: «أن جنود الجيش «الإسرائيلي» أیضاً یعانون من الإرهاب الیهودي».
ندرك أن الإرهاب كما الفاشية يبدأ بأكل نفسه، لكن دويلة الاحتلال تتساهل جداً مع هكذا إرهاب، إذ لا يمكث الإرهابيون اليهود الذين يحرقون ويقتلون الفلسطينيين أكثر من بضعة أشهر في السجون، وآخر مثال على ذلك هو إطلاق سراح المستوطنين الأربعة المتهمين بقتل الفلسطينية عائشة الرابي، كما أحيل المستوطن المتهم بحرق عائلة الدوابشة إلى الحبس المنزلي بزعم أن الاعترافات التي أخذت منه تمت تحت التعذيب وفقاً لمحاميه. هذا الحكم يذكّر بغرامة القرش التي حكم بها القاضي «الإسرائيلي» على الضابط الصهيوني «اسحق شيدمي» الذي وجه الأمر لجنوده بارتكاب مجزرة كفر قاسم.
نتوجه بالسؤال إلى المسؤولين «الإسرائيليين» الذين يتهمون بعض المستوطنين ب«الإرهاب اليهودي»، أليست قوات جيشكم الاحتلالي الإرهابي هي التي تحرس قطعانهم وتحميها عندما يقتحمون ساحات الأقصى؟ وعندما يبنون بؤراً احتلالية في الأراضي الفلسطينية ألا يتقدمهم في بعض الأحيان وزراء من حكومتكم؟ شارون مثلاً يوم 28 سبتمبر/أيلول 2000 اقتحم باحات المسجد الأقصى تحت حماية نحو ألفين من الجنود والقوات الخاصة وبموافقة من رئيس الوزراء في حينه إيهود باراك، ما أدى إلى الانتفاضة الثانية. حديثاً، ألم يقتحم وزير الزراعة في حكومتكم (التي تسيّر الأعمال) أوري أرئيل برفقة عشرات المستوطنين المسجد الأقصى المبارك من باب المغاربة بحراسة مشددة من شرطة الاحتلال الخاصة؟. ونفذ هذا المتطرف برفقة المستوطنين جولات استفزازية عديدة فيه بلباسه التلمودي التقليدي تحت حراسة مشددة من قوات الاحتلال.
من الواضح تماماً أن «إسرائيل» تحاول الفصل بين إرهاب دولتها ومجازرها الرسمية وممارستها حرب الإبادة الجماعية ضد شعبنا وأمتنا وبين إرهاب المستوطنين وقتلهم للفلسطينيين بل وحرقهم لأطفالنا، وكأن الإرهاب الثاني يجري بمعزل عن الإرهاب الأول الذي هو الأصل والآخر متفرّع عنه.
إن لجوء دويلة الكيان إلى مصطلح «الإرهاب اليهودي» يهدف إلى توزيع جرم إرهاب الدولة على اليهود (المستوطنين المتطرفين) للتغطية فعلياً على إرهاب الدولة الرسمي، وليرفع عنها مسؤولية ما تمارسه بجيشها وأجهزتها الأمنية من قتل وقمع وبطش بحق شعبنا الفلسطيني. فمن عادة سلطات الاحتلال إنكار الجرائم الوحشية التي يقترفها الجيش وسوائب المستوطنين وأذرعهم الإرهابية بحق شعبنا، وإذا اضطرت إلى ذلك أمام الاتهامات الدولية فسريعاً ما تردّ بالأعذار السياسية والأمنية ومزاعم الدفاع عن النفس. تذكرون ما فعلته عصابات الإرهاب الصهيونية مثل «الهاغانا» و«شتيرن» و«الأرغون» و«ليحي» وقطعان المستوطنين من جرائم بحق أهلنا في دير ياسين وكفر قاسم وغيرهما. واليوم نتابع ما يقترفه جيش الاحتلال من جرائم الإعدام الميداني للأطفال والفتيات والنساء في شوارع المدن الفلسطينية بدم بارد. إن هذا السلوك الصهيوني هو المحرّك الرئيسي ليس فقط لإرهاب المستوطنين بل للإرهاب العالمي عموماً، وإن سيناريوهات الإعدام وحرق البشر أحياء مستمدة فكراً وعقيدة وممارسة من تلك العصابات المتوحّشة التي انبنى منها الجيش «الإسرائيلي».
اليوم تمثّل عصابات الاستيطان أذرعاً ممتدة داخل مؤسسات الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية الأخرى. إنها صورة واضحة لإرهاب الدولة بأشكاله وأدواته المختلفة. وهناك أمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى، منها منظمات «بريت هاكانايم» و«مملكة إسرائيل» و«غوش إيمونيم»و«ليهافا»، التي انتقلت إليها وورثت العقليات والممارسات الإرهابية الصهيونية القديمة. فالمدرسة واحدة والخلفية مشتركة، وهما ضد حق الإنسان الفلسطيني في الحياة رغم اختلاف الزمن والشخوص.

